تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2341

مساهمون:

ص٢٣٤١
« مثل » . . ولم يقل الحقيقة فقال : أنهار من خمر لكنها خمر
« لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ » ،
وخمر الدنيا لا يشربها الناس بلذة ، بدليل أنك عندما ترى من يشرب كأس خمر . . فهو يسكبه في فمه مرة واحدة ! ليس كما تشرب أنت كوبا من مانجو وتتلذذ به ، إنه يأخذه دفعة واحدة ليقلل سرعة مروره على مذاقاته لأنه لاذع ومحمض ؛ وتغتال العقول وتفسدها . لكن خمر الآخرة لا اغتيال فيها للعقول . إذن فحين يعطيني الحق مثلا للجنة . . فهو ينفى عن المثل الشوائب ، ولذلك نجد الأمثال تتنوع في هذا المجال ؛ فالعربى عندما كان يمشى في الهاجرة ، ويجد شجرة « نبق » ويقال لها : « سدر » كان يعتبرها واحة يستريح عندها ، ويجد عليها النبق الجميل ، فهو يمد يده ليأكل منها لكنّه قد يجد شوكا فيتفادى الشوك ، وفي بعض الأحيان تشكه شوكة ، وعندما لا يجد في هذا الشجر شوكا يقول : هنا « سدر مخضوض » أي شجرة نبق لا شوك فيها ، والحق يأتي بكل الآفات التي في الدنيا وينفيها عن جنة الآخرة .
« وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى »
وكان العرب يأخذون العسل من الجبال فالنحل يصنع خلاياه داخل شقوق الجبال ، وعندما كانوا يخرجون العسل من الجبال يجدون فيه رملا وحصى ، فأوضح الحق : ما يعكر عليك العسل هنا في الدنيا أنا أصفيه لك هناك ، ومع أنه مثل لكنه يصفيه أيضا ، ولما ذا مثّل ؟ . . لأنه ما دام نعيم الجنة « لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . . فتكون لغة البشر كلها لا تؤدى ما فيها . . لكنه - سبحانه - يعطينا صورة مقربة ، ويضرب اللّه المثل بالصورة المقربة للأشياء التي تتعالى عن الفهم ليقربها من العقل ، ومثال ذلك عندما أراد سبحانه أن يعطينا صورة لتنوير اللّه للكون ، وليس لنور اللّه الذاتي ، بل لتنوير اللّه للكون ، فيقول :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ
( من الآية 35 سورة النور ) إنه يعطينا مثلا مقربا لأن لغتك ليس فيها الألفاظ التي تؤدى الحقيقة ، ولذلك يقول :