تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2347

مساهمون:

ص٢٣٤٧
وقوله سبحانه :
« أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها » ،
أوجز اللّه فيها كل تكاليف السماء لأهل الأرض ، لأن الأمانات هي : الأمانة العليا وهي الإيمان باللّه ، والأمانة التي تتعلق ببنى الجنس ، والأمانة التي على النفس لكل الأجناس . ومعنى الأمانة هو : ما يكون لغيرك عندك من حقوق وأنت أمين عليها ، إن شئت فعلتها ، وإن شئت لم تفعلها ، أنت تقول : أنا أودعت عند فلان أمانة ، هذه الأمانة لو كانت بإيصال لما كانت أمانة ؛ لأن هناك دليلا ، ولو كان ما أودعته عند ذلك الإنسان عليه شهود لا تكون أمانة . فالأمانة : أن تودع عنده شيئا ، وضميره هو الحكم ، إن شاء أقر بما عنده لك حين تطلبه ، وإن شاء لم يقر به ، قال الحق :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) ( سورة الأحزاب ) فما هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت أن تحملها ثم حملها الإنسان ، وعلة تحمله لها أنه كان ظلوما جهولا ؟ إن الكون كما نعلم فيه أجناس ، أدناها الجماد ، وأوسطها النبات ، وأعلى من الأوسط الحيوان ثم الإنسان ، والإنسان هو سيد هذه الأجناس ، لأنها تخدمه جميعها ، لكن الجماد والنبات والحيوان لا اختيار لأي منها في أن يفعل أو لا يفعل ، وإنما كل جنس منها قد خلق لشئ ليؤديه ، ولا اختيار له في أن يمتنع عن الأداء . الأرض والسماوات والجبال لم تقبل أن تكون مختارة أو أن تحمل أمانة وتكون المسألة فيها راجعة إلى اختيارها إن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل . وأشفقت الأرض والسماوات والجبال من حمل الأمانة لعدم الثقة بحالة النفس وقت أداء