تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2339

مساهمون:

ص٢٣٣٩
إن كلمة « الجنة » مأخوذة من « الجن » ، والستر ، و « الجنّة » هي البستان الذي به شجر إذا سار فيه الإنسان يستره ، وهو غير البساتين الزهرية التي تخرج زهرا قريبا من الأرض تمثل ترفا للعيون فقط ، أما الجنة ففيها أشجار عالية كثيفة بحيث لو سار فيها أحد يستر ، ففيها الاقتيات وفيها كل شئ ، فهي تسترك عن أن تلتفت إلى غيرها لأن فيها ما يكفيك ، فالذي عنده حاجة لا تكفيه يتطلع إلى ما يكفيه ، لكن من عنده حاجة تكفيه فقد انستر عن بقية الوجود ، والحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة عن شئ هو الآن عنا غيب ، وسيصير بإذن اللّه وبمشيئته مشهدا ، ونحن نعرف أن الجنة بها كل ما تتمناه النفس ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : قال اللّه عز وجل : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » « 1 » مصداق ذلك في كتاب اللّه
« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » .
كانوا يعملون » ونعلم أن الكائنات الوجودية يعرفها الإنسان بما يناسب إدراكه . . فقال : « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت » ، والعين حين ترى تكون محدودة ، لكن السمع دائرته أوسع من الرؤية ، لأنه سيسمع ممن رأى ، إنه سمع فوق ما رأى ، إذن فدائرة الإدراكات تأتى أولا : بأن يرى الإنسان ، ثم بأن يسمع ، وهو يسمع أكثر مما يرى ، وعلى سبيل المثال قد أرى أسوان لكنني أسمع عن أمريكا ، فدائرة السماع أوسع . وبعد ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولا خطر على قلب بشر » أي أن ما في الجنة أكبر من التخيلات ، إذن فكم صفة هنا للجنة ؟ الأولى قوله : ما لا عين رأت والعين مهما رأت فدائرتها محدودة ، والثانية : قوله : ولا أذن سمعت . والأذن إن سمعت فدائرتها أوسع قليلا . والثالثة : قوله : ولا خطر على قلب بشر ، وهذا أوسع من التخيلات ، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . فبأي الألفاظ يا ربي تؤدى لنا هذه الأشياء ، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعان معروفة ، وما دمت ستأتي بحاجة لم ترها عين ، ولم تسمعها إذن ولم تخطر على قلب بشر ، فأي الألفاظ ستؤدى هذه المعاني ؟
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صفة الجنة .