وتنتهى إلى ما لا نهاية ، وحين جاء لنا مدرس ليبرهن لنا على نظرية « مائة » ، استخدم في البرهان على ذلك النظرية التسع والتسعين ، وعندما كان يبرهن على النظرية « التسع والتسعين » استعمل ما قبلها .
إذن فكل برهان على نظرية يستند إلى ما قبلها ، والعقل الواعي المفكر المستنبط هو الذي يرتب المقدمات ويستخلص منها النتائج . وكل شئ في الكون يشترك فيه كل الناس . لكن العقل الذي يرتب ويستنبط يخيل إليه وإلى الناس أنه جاء بجديد ، وهو لم يأت بجديد . بل ولّد من الموجود جديدا ، مثال ذلك الطفل عندما يولد من أبويه ، هل هما جاءا به من عدم ؟ لا ، بل جاء الولد من تزاوج ، وعندما نسلسل الأمر نصل إلى آدم ، فمن الذي جاء بآدم ؟ . إنه اللّه .
إذن فالبديهيات التي في الكون هي خميرة كل علم تقدمى وهي من صنع اللّه الذي أتقن كل شئ صنعا ، وكل نظرية مهما كانت معقدة في الكون منشؤها من الأمر البديهي ، مثال ذلك البخار ؛ عندما اكتشفوه وقبل أن يسيّروا به الآلات ماذا حدث ؟ . كان هناك من يجلس فالتفت فوجد الإناء الذي به الماء يغلى ثم وجد غطاء الإناء يرتفع وينخفض ، وعندما تعرف على السرّ ، اكتشف أن كل بخار يستطيع أن يعطى . قوة دافعة ، وبذلك بدأ عصر البخار . إذن فهو ذكى ، وقد أخذ اكتشافه من بديهية موجودة في الكون ، فإياك أن تغتر وتقول : إن العقل هو الذي اخترع ، ولكن العقل عمل بالجهد في مطمورات اللّه في الوجود ، ورتب ورتب ثم أخرج الاكتشاف .
لذلك فعندما يبتكر العقل البشرى شيئا جديدا نقول له : أنت لم تبتكر ، بل اكتشفت فقط ، والحق سبحانه وتعالى يترك هذه العملية في الوجود . ويقول :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
( من الآية 53 سورة فصلت )
والبشرية عندما تكتشف شيئا جديدا ، نقول لهم : القرآن مسّها وجاء بها ، فيقولون : عجبا هل فعل القرآن ذلك منذ أربعة عشر قرنا ، على الرغم من أنه نزل