تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2334

مساهمون:

ص٢٣٣٤
أما آيات اللّه الكونية التي لا تتأثر . . فأي فائدة للإنسان إن عرفها أو لم يعرفها : فقد طمرها اللّه وسترها في القرآن مع إشارة إليها ، لأن العقل المعاصر لنزول الكتاب لم يكن قادرا على استيعابها في زمن الرسالة . ولو أن القرآن جاء بآية واضحة تقول : إن الأرض كروية وتدور ، باللّه ماذا كان المعاصرون لرسول اللّه يقولون ؟ إن بعضا من البشر الآن يكذبون ذلك ، فما بالنا بالبشر المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذين لو قال لهم رسول اللّه ذلك لا نصرفوا عن اتباع ما جاء به . لقد كانوا يستفيدون من كروية الأرض ، مثلما يستفيد منها الفلاح أو البدوي ، ومثلما يستفيد الناس الآن الذين لم يدرسوا الكهرباء برؤية التليفزيون وضوء المصباح الكهربائي وغير ذلك من الاستخدامات ، دون معرفة علمية بتفاصيل ذلك ، إنّ الشمس تسطع على الدنيا فيتبخر الماء من الأنهار والمحيطات والبحار ليصير سحابا ، ثم ينزل المطر من السحاب . وكل هذه الآيات الكونية لم يعط اللّه أسرارها إلا بقدر ما تتسع العقول ، وترك في كتابه ما يدل على ما يمكن أن تنتهى إليه العقول الطموحة بالبحث العلمي . وعندما نتعرف نحن - المسلمين - على اكتشاف علمي جديد في الكون ، نقول : إن القرآن قد أشار له ، لكن قبل ذلك لا يصح أن نقول ذلك حتى لا يكذب الناس هذا الكتاب المعجز ، فسبحانه القائل :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
( من الآية 39 سورة يونس ) لو أن القرآن قال : إن كل شئ في الوجود يتكاثر ، وفيه موجب وفيه سالب ، ذكر وأنثى ، أكانوا يصدقون ذلك ؟ . لا ؛ لأنهم كانوا لا يعرفون الذكر والأنثى إلا في الرجل والمرأة ، ويعرفون ذلك في الحيوانات ؛ وأيضا في بعض النباتات مثل النخل ، لكن هناك نباتات كثيرة لا يعرفون حكاية التكاثر فيها ، ومثال ذلك القمح الذي نزرعه ونأكله ، وكذلك الذرة ، لم يكونوا عارفين بأن عنصر الذكورة يوجد في « الشواشى » العليا في كوز الذرة وأن الهواء يضرب تلك الشواشى فتنزل منها حبوب اللقاح فيخرج الحب ، ولذلك نجد الزّارع الذكي هو الذي يفتح « كوز الذرة » من أعلاه قليلا حتى يتيح لحبوب اللقاح أن تصل إلى موقعها . وقد يفتح الفلاح أحد « كيزان الذرة » فيجد حبة ميتة وسط الحبوب المتراصة ويكتشف أنها حبة ليس لها خيط أي لم تتصل بحبوب اللقاح وهو ما يقولون عنه في الريف « سنة عجوز » .