تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2333

مساهمون:

ص٢٣٣٣
كما يحلو لكم فلا يحدث له ألم ، وعرفتم أن الألم ليس للعضو ، إنما الألم للنفس الواعية ، إذن فكل الجوارح هي آلات توصّل الألم للنفس الواعية ، وتكون مسرورة ؛ لأن النفس الواعية تعذب ، وهذه يشبهونها - مثلا - بواحد عنده « حكة » في جلده ، فيهرش ، والهرش يسيل دمه فيكون مستلذا . إذن فقوله :
« كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ »
أي أن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس الواعية ، وهكذا .
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ » .
نحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل كتابا هو القرآن ، وجعله معجزة ومنهجا ، وهذه هي الميزة التي امتاز بها الإسلام . فمنهج الإسلام هو عين المعجزة ، وكل رسول من الرسل كان منهجه شيئا ومعجزته كانت شيئا آخر . إن سيدنا موسى منهجه التوراة ومعجزته : العصا ، وسيدنا عيسى منهجه : الإنجيل ، ومعجزته : إبراء الأكمه والأبرص بإذن اللّه ، لكن معجزة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانت القرآن ؛ لأن دينه سيكون الامتداد النهائي لآخر الدنيا ، ولذلك جعل اللّه منهجه هو عين معجزته ، لتكون المعجزة دليلا على صدق المنهج في أي وقت ، ولا يستطيع واحد من أتباع أي نبي سابق على رسول اللّه أن يقول : إن معجزة الرسول الذي أتبعه هي منهجه ؛ لأن معجزات الرسل السابقين على رسول اللّه كانت عمليات كونية انتهت مثل عود كبريت احترق ، فمن رآه رآه وانتهى ، لكن المسلم يستطيع أن يقف ويعلن بملء فيه : إنّ محمدا رسول اللّه وصادق ، وتلك معجزته . فمعجزة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم باقية بقاء أبديا ، ومتصلة به أبدا . أما معجزة كل رسول سبق رسول اللّه فقد أدت مهمتها لمن رآها وانتهت ، وانفصلت معجزة كل رسول سابق على رسول اللّه عن منهجه . والمنهج القرآني فيه أحكام ، والأحكام معناها ؛ افعل كذا ، ولا تفعل كذا . وهي واضحة كل الوضوح منذ أن أنزل اللّه القرآن على رسوله وحتى تقوم الساعة . من فعل مطلوب الأحكام يثاب ، ومن لم يفعله يعاقب . وكل الناس سواسية في مطلوب الأحكام إلى أن تقوم الساعة .