إذن فكل تكاثر له ذكورة وأنوثة ، ولذلك يقول ربنا :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
( 36 )
( سورة يس )
وكنا نعرف الأزواج في الأنفس ، ثم عرفناها في النبات ، وجاء الحق ب
« مِمَّا لا يَعْلَمُونَ »
لتدخل كل شئ ، وتكشف الموجب والسالب في الكهرباء ، وصرنا نعرف أن كل كائن فيه ذكر وأنثى ، وكلما تقدم العلم فهو يشرح الآيات الكونية .
ومن رحمة الحق سبحانه بعقول الأمة المكلّفة برسالة محمد لم يشأ أن يجعل نواميسه في الكون واضحة صريحة حتى لا تقف العقول فيها وتعجز عن فهمها ، وخاصة أن الكتاب واجه أمّة أمّيّة ؛ ليست لها ثقافة . وهب أنه واجه العالم المعاصر ، إن هناك قضايا في الكون لا يعلمها العالم المعاصر ، فلو أن القرآن تعرض لها بصراحة لكانت سببا من الأسباب التي تصرف الناس عن الكتاب . والقرآن جاء كتاب منهج ، والمعجزة أمر جاء لتأييد المنهج ، فلم يشأ أن يجعل من المعجزة ما يعوق عن المنهج ، لكنه ترك في الكون طموحات للعقل المخلوق للّه والمادة الكونية المخلوقة للّه ، وكل يوم يكتشف العقل البشرى أشياء ، وهذا الاكتشاف لا يأتي من فراغ ، بل يأتي من أشياء موجودة .
إذن فلو رددت أدق أقضية العلم التي يصل إليها العقل المعاصر ، ونسبتها في الكون لرجعت إلى الأمر البديهي . فلا يوجد صاحب عقل ابتكر أو جاء بحاجة جديدة ، إنما هو أعمل عقله في موجود فاستنبط من مقدمات الموجود قضية معدومة ، ثم أصبحت القضية المعدومة مقدمة معلومة ليستنبط منها من يجئ بعد ذلك .
ولذلك فالعلماء عادة قوم يغلبهم طابع التهذيب عندما يقولون : اكتشفنا الأمر الفلاني ، يعنى كأنه كان موجودا .
إن الحق سبحانه وتعالى يعطى لنا فكرة تقرب لنا الفهم ، فنحن عندما كنا نتعلم الهندسة مثلا ؛ عرفنا أن الهندسة مكونة من نظريات ، تبدأ من نظرية « واحد » ،