تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2331

مساهمون:

ص٢٣٣١
بأن تكون مع أسباب الحق في الدنيا ثم تصير مع الحق ، والموت هو النقلة التي تنقلك من الأسباب إلى المسبب ، فما الذي يحزنك في هذا ؟ نحن نقصّر عليك المسافة . . فبدلا من أن تقابلك عقبات الطريق ، وقد تنجح أو لا تنجح ، وبعضهم يقول : مات وهو صغير ولم ير الدنيا ، نقول لهم : وهل هذه تكون خيرا له أو لا ؟ أنت مثلا كبرت وقد تكون مقترفا للمعاصي ؛ فلعل اللّه أخذ الصغير حتى لا يعرضه للتجربة ، ضع المسألة أمامك واجعلها حقيقة . عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : كيف أصبحت يا حارث ؟ فقال : أصبحت مؤمنا حقا . قال : « انظر ما تقول ؛ فإن لكل شئ حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى ، وأظمأت نهارى وكأني أنظر إلى عرش ربى بارزا ، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون « 1 » فيها فقال : « يا حارث عرفت فالزم ، ثلاثا » « 2 » . ولنا العبرة في سيدنا حذيفة - رضى اللّه عنه - حينما سأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له : كيف أصبحت ؟ أي كيف حالك الإيمانى ؟ قال حذيفة : يا رسول اللّه ، عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي أن الذهب تساوى مع الحصى ، هذه هي مسألة الدنيا - وأضاف حذيفة : وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة ينعمون ، وإلى أهل النار في النار يعذبون وساعة لا تغيب عن بال سيدنا الحارث صورة الآخرة ، فهو يسير في الحياة مستقيما . . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « عرفت فالزم » . الحق سبحانه وتعالى حين يذكر لنا بعض الأحكام يذكر لنا أيضا خبر بعض الناس الذين يتمردون على الأحكام ، ثم يذكرنا بحكاية الجنة والنار ؛ ولذلك يقول لنا :
هامش
( 1 ) يتضاغون : يصيحون من الألم . ( 2 ) رواه الطبراني .