تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2326

مساهمون:

ص٢٣٢٦
الذي لا يرى يأتي فيفتك بالناس ، فالآفة التي تصيب الناس كلما لطفت ، - أي دقت وصغرت - عنفت ، فلو كانت ضخمة فمن الممكن أن يدفعها الإنسان قليلا قليلا ، لكن عندما تصل إلى مرتبة من الدقة والصغر ، هنا لا يستطيع الإنسان أن يدفعها . وأفتك الميكروبات هي التي تدق لدرجة أن الأطباء يقولون عن بعض الأمراض : لا نعرف لها فيروسا ؛ بمعنى أن هذا الفيروس المسبب للمرض صار دقيقا جدا حتى عن معايير المجاهر . إذن فما الذي يجعلنا نضيق ذرعا بأن نقدر أن هناك شرارة من ميكروب تخرج من كيماوية الإنسان الحاقد الحاسد الذي تشقيه النعمة عند غيره ، وشرارة الميكروب هذه مثل أشعة الليزر تتجه لشئ فتفتك به ! ! ما المانع من هذا ؟ ! إننا نفعل ذلك الآن ونسلط الأشعة على أي شئ ، والأشعة هي من أفتك الأسلحة في زماننا ، ولماذا لا نصدق أن كيماوية الحاسد عندما تهيج يتكون منها إشعاع يذهب إلى المحسود فيفتك به ؟ ومثلها مثل أي نعمة ينعمها ربنا عليك ، وبعد ذلك تستعملها في الضرر . ومثال ذلك الرجل الذي عنده بعض من المال ؛ ومع ذلك يغلى حقدا على خصومه . فيشترى مسدسا أو بندقية ليقتلهم ؛ إنه يأخذ النعمة ويجعلها وسائل انتقام ، وهذا يأتي من هيجان الغريزة الداخلية المدبرة لانفعالات الانسان . إذن فهؤلاء القوم عندما جاء رسول اللّه مصدقا بما عندهم ، ما الذي منعهم أن يصدقوه ؟ . لا شك أنهم حسدوه في أن يأخذ هذه النعمة ، ونظروا إلى نعمة الرسالة على أنها مزية للرسل ، وهل كان ذلك صحيحا ؟ حقا إنها مزية للرسل ولكنها مع ذلك عملية شاقة عليهم ، والناس في كل الأمم - ما عدا الأنبياء - يورثون أولادهم مالهم ، أما الأنبياء فلا يورثون أولادهم . إنهم لم يأتوا ليأخذوا جاها ، أو ليستعلوا على الناس ، بل كلّفوا بمتاعب جمة . إذن فأنتم تنظرون إلى السلطة التي أعطاكم اللّه إياها في مسألة علم الدين . وتجعلونها أداة للترف والرفاهية وللعنجهية وللعظمة ، وحين يجئ رسول لكي ينفض عنكم ويخلصكم من هذه السيطرة ، ماذا تفعلون ؟ أنتم تحزنون ؛ لأنكم أقمتم لأنفسكم سلطة زمنية ولم تجعلوا أنفسكم في خدمة القيم ، وأخذتم عظمة السيطرة فقط ، فلما جاء رسول يريد أن يزيل عنكم هذه السيطرة قلتم : لا . لن نتبعه . فإذا كنتم
تفسير الشعراوي — صفحة 2326 | محمد متولي الشعراوي