يعطى الآخر ، ولو أعطى سبحانه كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر ، وذلك كما جاء في الحديث القدسي : « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر » « 1 » .
« أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ » ،
فالحسد - كما عرفنا - هو : أن يتمنى إنسان زوال نعمة غيره ، هذا التمني معناه أنك تكره أن تكون عند غيرك نعمة ، ولا تكره أن يكون عند غيرك نعمة إلا إذا كنت متمردا على من يعطى النعم .
إن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو : ردّه لقدر اللّه في خلق اللّه ، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشرّ منه ؛ فقلبه يحترق حقدا . ولذلك قالوا : الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها ؛ لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد ، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة ؛ لأن الحقد يحرق قلبه وربما قال قائل : وما ذنب المحسود ؟ . . ونقول : إن اللّه جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس ، والحسد يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم . وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ليقتله به ؟ هذه مثل تلك . فالمسدس نعمة من نعم اللّه عند إنسان ليحمى نفسه به ، وليس له أن يستعمله في باطل .
وهب أن اللّه سبحانه وتعالى خلق في الإنسان شيئا يكره النعمة عند غيره ، فلماذا لا يتذكر الإنسان حين يستقبل نعمة عند غيرك أن يقرنها بقوله : ( ما شاء اللّه لا قوة إلا اللّه ) . فلو قارنت كل نعمة عند غيرك بما شاء اللّه الذي لا قوة إلا به لرددت عن قلبك سم حقدك . إنك ساعة ترى نعمة عند غيرك وتقول : ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه ، فأنت تتذكر أن الإنسان لم يعط نفسه أي نعمة . إنما ربنا هو الذي أعطاه ، وسبحانه قادر على كل عطاء ، ومن الممكن أن يحسد الإنسان . لكن الذي يجد الحسد في نفسه ويريد أن يطفئه ، عليه أن يردّ كل شئ إلى اللّه ، وما دام قد ردّ كل شئ إلى اللّه فقد عمل وقاية لنفسه من أن يكون حاسدا . ووقاية للنعمة عند غيره من أن تكون محسودة ، والحق سبحانه وتعالى يبين لنا ذلك في قوله سبحانه :
هامش
( 1 ) رواه مسلم في باب تحريم الظلم ، ورواه أحمد .