مثال ذلك عندما يقول :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
( من الآية 9 سورة الحشر )
وكل واحد عنده أشياء ويحتاج إليها ، لكنه يجد أخاه المؤمن يحتاج إليها أكثر منه فيؤثره على نفسه ، أهو يفضله عن نفسه ؟ لا ؛ لكنه يعطى هذا الشئ القليل في الفانية كي يأخذه في الباقية ، فأخذ شهوة نفسه لكن بشهوة معلاة ، والذي قلنا له :
غض طرفك عن محارم غيرك . ظاهر هذا الأمر أننا نحجبه عن شهوة يشتهيها ، لكننا ساعة نحجبك عن شهوة تشتهيها في حرام الفانية ، نريد أن نحقق لك شهوة في حلال الخالدة . فأيهما أعشق للجمال ؟ الذي ينظر بتفحص للمرأة الجميلة وهي تسير ، أم الذي يغض عينه عنها ؟ الأعشق للجمال هو الذي غض بصره .
إن الدين لم يأت إلا ضد النفس الحمقاء التي تريد عاجل الأمر وإن كان تافها .
ويوضح له : كن للآجل ومعه ؛ لأنه يبقى فلا يتركك ولا تتركه ، أما أي شهوة تأخذها في هذه الدنيا فإما أن تتركها وإما أن تتركك ، لكن في الآخرة لا تتركها ولا تتركك .
لقد عرف الصالحون الورعون كيف يستفيدون ، لكنّ الآخرين هم الحمقى الذين لم يستفيدوا ، فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الحسرة تكون لمن أراح نفسه بشهوة عاجلة ثم أعقبها العذاب الآجل المقيم ، فهذه هي الخيبة الحقة ، فالدنيا دار الأغيار ، يأتي للإنسان فيها ما يؤلمه وما يسره ، وليس فيها دوام حال أبدا ؛ لأنها دنيا الأغيار ، وما دامت دنيا الأغيار فيكون كل شئ فيها متغيرا . . وما دام كل شئ فيها متغيرا . إذن فالذي في نعمة قد يصيبه شئ من الضر ، والذي في قوة قد يصيبه شئ من الضعف ، والذي في ضعف قد تأتيه قوة ، وإلا لو ظل الضعيف ضعيفا وظل القوى قويا لما كانت الدنيا أغيارا .
ولذلك يقولون : احذر أن تريد من اللّه أن يتم عليك نعمته كلها ؛ لأنها لو تمت لك النعمة كلها وأنت في دار الأغيار فانتظر الموت ؛ فتمام النعمة هو صعود لأعلى