من تراب الأرض ثم نفخه ، فلما نفخ تطاير التراب في الهواء ، فقال لهم : كل واحدة من هذه اسمها « ذرة » وهو ما نسميه « الهباء » ، ونحن الآن الموجودين في مكان واحد لا نرى شيئا في الجو ، لكن انظر إلى حزمة ضوئية - أي ثقب تدخل منه أشعة الشمس - فساعة ترى ثقبا يدخل أشعة الشمس ترى غبارا كثيرا يسبح .
والمهم أنك لا تراه جاريا إلا في شعاع الشمس فقط ، فهو كان موجودا ونستنشقه ، فما الذي جعلني لا أراه ؟ . لأنه بلغ من الصغر واللطف مبلغا فوق طوق العين أن تراه ، فالذرة واحدة من هذا الغبار ، واسمه « الهباء » وواحدة الهباء هي الذرة .
إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا : أن كل شئ موزون إلى أقل درجات الوزن وهو الذرة ، وهي الهباء ، ونحن لا نراها إلا في نور محجوز ، لأننا في النور القوى لا نرى تلك الذرات ، بل نراها فقط في نور له مصدر واحد ونافذ ، والحق سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة ، وهذا تمثيل فقط ؛ لأن الذرة يمكن أن تكبر ، فالذي يكبر يمكن أن يصغر ، وقال الحق ذلك ولم يكن عند الإنسان المقياس الذي يفتّت به الذرة ، وقد حدث أن استطاع الإنسان ذلك ، فبعد الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا أسطوانات تحطيم الجوهر الفرد ، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما كان يصفه الفلاسفة قديما ، ومعنى جزء لا يتجزأ أي لا يمكن أن يأتي أقل منه . ولم يلتفتوا إلى أن أي شئ له مادة إن كان يقبل التكبير فهو أيضا يقبل التصغير . والمهم أن توجد عند الإنسان الآلة التي تدرك الصغر .
ومثال ذلك عندما صعدت الأقمار الصناعية وأخذوا من الجو صورة لمدينة نيويورك ؛ خرجت الصورة صغيرة لمدينة نيويورك . بعد ذلك كبروا الصورة ؛ فأخزجوا أرقام السيارات التي كانت تسير ! . كيف حدث هذا ؟ لقد كانت الصورة الصغيرة تحتوى تفاصيل أكثر دقة لا تراها العين المجردة ، وعندما يتم تكبيرها يتضح كل شئ حتى أرقام السيارات وضحت بعد أن كانت غير ظاهرة ، وإن كنت موجودا في نيويورك في هذه الساعة أكنت تظهر بها ؟ لا يمكن أن تظهر . . لما ذا ؟ . . لأنّ صورتك صغرت إلى الحد والقدر الذي لا يمكنك أن تراها وهي بهذا الحجم وهكذا ، فالنور عندما يكون محزوما ، فالحزمة الضوئية التي تدخل إلى مكان ما ، لها من القوة التي تظهر ذرة الهباء الذي لم تكن / تراها .
تفسير الشعراوي — صفحة 2244
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٢٢٤٤