تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2243

مساهمون:

ص٢٢٤٣
الظالم ، إذن فقوة القوى عندما تظلم فظلمها لا يطاق ، ثم لماذا يظلم ؟ وماذا يريد أن يأخذ وهو من وهب ؟ إنه سبحانه مستغن ، ولن يأخذ من هذا ليعطى ذاك ، فكلهم بالنسبة له سواء ؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، كلهم متساوون ، فلماذا يظلم ؟ إن الظلم بالنسبة للّه محال عقليا ومحال منطقيا ، فلا يمكن للّه أن يضيع عمل حسنة ولا أن يضاعف سيئة . فهذه لا تتأتى ، وتلك لا تتأتى ، واللّه واهب كل النعم للناس جميعا . وما دام هو من وهب كل النعم ، فسبحانه غير منتفع بآثاره في خلقه . إن الحق سبحانه وتعالى ينفى عن نفسه الظلم في قوله :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 46 ) ( من الآية 46 سورة فصلت ) فكلمة « ظلّام » مثل قولنا : فلان « أكّال » وفلان « نوّام » . وهي تختلف عن قولنا : فلان نائم ، يعنى نام مرة ، ولكن « نوام » فهذا يعنى مداومته على النوم كثيرا ، أي أنه إما أن يكون مبالغا في الحدث ، وإما أن يكون مكررا للحدث ، فالمبالغة - كما نعرف - تأتى مرة لأن الحدث واحد لكنه قوى ، ومرة يكون الحدث عاديا لكنه مكرر ، هذه هي المبالغة ، فقوله سبحانه وتعالى :
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ »
نفى للمبالغة ، وهذا لا يقتضى نفى غير المبالغة . ونقول : اللّه لو ظلم لكان ظلمه مناسبا قدرته فيكون كبيرا كثيرا ، ولو كان ظالما لشمل ظلمه وعمّ الخلق جميعا فيكون كذلك كبيرا كثيرا ولكن اللّه - سبحانه - يقول :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ » .
وسبحانه يحسب السيئة سيئة واحدة . أما الحسنة فيضاعفها ،
« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ »
« مثقال » : يعنى ثقل ووزن ، والثقل هو : مقدار جاذبية الأرض للشئ . فعندما يكون وزن الشئ قليلا وتلقيه من أعلى ، فهو ينزل ببطء ، أما الشئ الثقيل فعند ما تلقيه من أعلى فهو ينزل بسرعة ؛ لأن قوة الجاذبية له تكون أقوى ، والإنسان منا حين ينظر إلى كلمة « مثقال » ؛ ويعبر عنها بأنها وزن ، فمعيار الميزان هنا « الذرة » . وما « الذرة » ؟ . قال العلماء فيها : هي رأس النملة الصغيرة التي لا تكاد ترى بالعين المجردة ، أو النملة نفسها . هذه مقولة ، أو الذرة كما قال ابن عباس حين سئل عنها : أخذ شيئا
تفسير الشعراوي — صفحة 2243 | محمد متولي الشعراوي