تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2241

مساهمون:

ص٢٢٤١
بين البديلات ، لكنه أوضح : أنا أعلم أن عبدي سيختار كذا وكذا . إذن فهذه سبق علم لا قهر قدرة . فالقدرة لها تأثير والعلم لا تأثير له ولا قهر . وقول اللّه هنا :
« وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ »
فقوله :
« وَما ذا عَلَيْهِمْ »
تعنى أي ضرر يلحقهم . كلمة « عليهم » دائما تكشف للإنسان ما عليه ؛ لذلك لا يقول « لهم » بل يقول : أي ضرر كان يلحقهم لو أنهم آمنوا باللّه ؛ ولذلك يقول الحق :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
( من الآية 46 سورة البقرة ) لم يقل سبحانه : الذين يتيقنون . بل إن مجرد الظن بلقاء اللّه جعلهم يعملون الأعمال الصالحة ، فما بالك إذا كان العبد متيقنا ؟ إن المتيقن يقوم بالعمل الصالح من باب أولى . ولذلك فهذه المسألة أخرجت « المعرّى » عما اتهموه به من أنه ينكر البعث ، صحيح أنه في أول حياته قال :
تحطمنا الأيام حتى كأننا * زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
فقالوا : إن قوله « لا يعاد له سبك » معناه أنه ينفى قدرة الحق على أن يبعثنا مرة ثانية ، مع أنه من الممكن أن يتأول فيها ، أي لا يعاد لنا سبك في حياتنا هذه ، ونحن لا نرى من مات يعود مرة ثانية . ونقول كذلك : إن هذه قالها في أول حياته . ولكنه قال في آخر الأمر :
زعم المنجم والطبيب كلاهما * لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالخسار عليكما
فهو يطلب من الطبيب والمنجم أن يكفا عن إفساد العقول بالشك . وهب أنه اعتقد ألا بعث ، وواحد آخر اعتقد أن فيه بعثا ، نقول له : إما أن يجئ بعث فيكذب من قال : لا بعث ، وإما ألا يجئ بعث ، فإذا لم يجئ البعث ، ما الذي ضر من آمن بالبعث ؟ وإذا جاء البعث فمن الذي خسر ؟ سيخسر من أنكره ، إذن فالذي ينكر البعث يخسر ولا يكسب ، لكن من قال : إن هناك بعثا لا يخسر ، وهكذا .