تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2238

مساهمون:

ص٢٢٣٨
لتصل إليها ، فتلك شهوة نفسك . وإن عزّت عليك معصية تنتقل إلى معصية أخرى فهذا من عمل الشيطان ؛ لأن الشيطان لا يريد عاصيا من لون واحد ، وإنما يريدك عاصيا على إطلاقك . وعداوة الشيطان - كما نعلم - هي عداوة مسبقة ؛ فقد امتنع الشيطان عن السجود لآدم بحجة أنه خير من آدم . وحذر اللّه آدم . ولا بد أن آدم عليه السّلام قد نقل هذا التحذير لذريته وأعلمهم أن الشيطان عدو . ولكن الغفلة حين تسيطر على النفوس تفسح مجالا للشيطان لينفذ إلى نفس الإنسان ، والشيطان - كما نعرف - لا يأتي للعاصي الذي تغويه نفسه ؛ لأن العاصي تكفيه نفسه ؛ لذلك يأتي الشيطان للطائع ليفسد عليه طاعته ، ولهذا يقول اللّه عنه :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
( من الآية 16 سورة الأعراف ) إذن فمقعد الشيطان ليس في الخمارة أو في مكان فساد ، إنما يجلس على باب المسجد ، لكي يفسد على كل ذاهب إلى الطاعة طاعته . وهذا معنى :
« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » ؛
ولذلك كانوا يقولون : إن الطوائف الأقلية غير المسلمة في أي بلد إسلامي لا تحدث بينهم الشحناء ، ولا البغضاء ، ولا حرق الزروع ولا سمّ المواشي ، ولا القتل ، وتأتى هذه المعاصي في جمهرة المسلمين ، نقول : نعم ؛ لأن الشيطان ضمن أن هؤلاء وصلوا إلى قمة المعصية فابتعد عن إغوائهم ، أما المسلمون فهم أهل الطريق المستقيم ، لذلك يركز الشيطان في عمله معهم ، إذن فمادام عمل الشيطان على الطريق المستقيم فهو يأتي لأصحاب منهج الهداية ، أما الفاسق بطبيعته ، والذي كفر كفر القمة فالشيطان ليس له عمل معه ؛ لأنه فعل أكثر مما يطلب الشيطان من النفس البشرية . والحق سبحانه وتعالى يقول :
« وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ »
أي : أنفقوا وأنقصوا مالهم فلما ذا المراءاة إذن ؟ لأن الشيطان قرينهم ، وعندما ينفقون فهذا عمل طاعة ، ولما ذا يترك لهم هذا العمل ليسلم الثواب لهم ؟ فلا بد أن يفسد لهم هذا العمل الذي عملوه ، وهو يقول :
« وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً »
مثل هذا القرين أيمدح أم يذم ؟ إنه يذم بطبيعة الحال ؛ ولذلك قال اللّه :
« فَساءَ