تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2235

مساهمون:

ص٢٢٣٥
يبخلون ويأمرون الناس بالبخل . . وهذا الشيطان وساعة يكون قرينا للإنسان ، فمعنى ذلك أنه مقترن به ، والقرن بكسر القاف - هو من تنازله . وكلمة « قرن » تطلق أيضا على فترة من الزمن هي مائة عام ؛ لأنها تقرن الأجيال ببعضها ، فالشيطان قرين أي ملازم لصاحبه ومقترن به ، فيقول الحق :
« وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً » ،
أي بئس هذا القرين لأنه القرين الذي لا ينفعني ولا يصدني عن مجال ضار . ولذلك فالناس قد يحب بعضهم بعضا في الدنيا لأنهم يجتمعون على معصية . أما في الآخرة فماذا يفعلون ؟ يقول الحق :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
( 67 ) ( سورة الزخرف ) لأن المتقين يعين بعضهم بعضا على الطاعة ، فالواحد منهم يقول لصاحبه : كنت تعيننى على الطاعة ، كنت توجهنى وتذكرنى إن غفلت ، فيزداد الحب بينهما . لكن الإنسان يلعن من أغواه وأول من نلعن يوم القيامة نلعن الشيطان ، وكذلك الشيطان أول ما يتبرأ يتبرأ منّا ؛ ولذلك فعندما تحين المجادلة نجد الشيطان يقول لمن أغواهم وأضلهم :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
( من الآية 22 سورة إبراهيم ) والسلطان هو : القوة العالية التي تجبر من دونها ، فالإنسان تجبر مادته وبنيته بسلطان القهر المادي ، ويقهر في اعتقاداته بالدليل والحجة . والإكراه في المادة إنما يتحكم في القالب ، لكنه لا يتحكم في القلب ، فقد تكون ضعيفا أمام واحد قوى ولكنك تمسك له سوطا وتقول له : اسجد لي . اخضع ، فيسجد لك ويخضع . وأنت بذلك تقهر القالب ، لكنك لم تقهر القلب ، هذا هو السلطان المادي الذي يقهر القالب ، لكن إذا جاء لك إنسان بالحجج وأقنعك ، فهذا قهر إقناع ، وقدرة قهر العقول بالإقناع نوع من السلطان أيضا .