تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2237

مساهمون:

ص٢٢٣٧
وعندما نتأمل الآية ، نجد أن الحق يقول :
« وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً » .
فالآية إذن تتناول لونا من الإنفاق يحبط اللّه ثوابه . فنفقة المرائي تتعدى إلى نفع غيره لكن لا ينتفع المرائي منها ، بل تكون قد أنقصت من ماله ولم تثمر عند ربه . والحق يلفتنا إلى أن ذلك كله راجع إلى معوقات الإيمان الذي يتطلب من الإنسان أن يكون في كل حركات حياته على منهاج ربه ، هذه المعوقات تظهر في النفس البشرية وفي شهواتها التي تزين الإقبال على المعصية للشهوة العاجلة ، وتزين الراحة في ترك الأوامر ، والشيطان أيضا يتمثل في المعوقات ، والشيطان كما نعلم : اسم للعاصي من الجنس الثاني من المكلفين وهم الجن ويتمثل في إبليس وفي جنوده ، ويطلق على كل متمرد من الإنس أيضا يقول تعالى :
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »
وأنت حين تريد أن تعرف المعوق أهو من نفسك أم من الشيطان ؟ . فانظر إلى نفسك حيال المعصية ، أهي معصية تدفعك نفسك أن تأتيها وحدها ، أم معصية إن عزّ عليك أن تفعلها فأنت تنتقل إلى معصية سواها ؟ هل هي معصية ملازمة أو معصية تنتقل منها إلى غيرها ؟ . فهب أن إنسانا كانت معصية نفسه في أن يشتهى ما حرّم عليه ، أو أن يسرق مال غيره ، نقول له : أوقفت في المعصية عند هذه بحيث لا تتعداها إلى غيرها ؟ يقول نعم . فبقية المعاصي لا ألتفت إليها . نقول : تلك شهوة نفس ، فإن كانت المعصية حين تمتنع عليك من سرقة مثلا فأنت تلتفت إلى معصية أخرى . فهذا لون من المعاصي ليس من حظ النفس ، وإنما هو حظ الشيطان منك ؛ لأن الشيطان يريد العاصي عاصيا على أي لون من المعصية ، فإن عزّ عليه أن يلوى زمامه إلى لون من المعصية ، انتقل إلى معصية أخرى لعلّه يصادف ناحية الضعف فيه . لكن النفس حين تشتهى فإنها تشتهى شيئا بعينه ، فأنت إذن تستطيع أن تعرف المعوق من قبل نفسك أم من قبل الشيطان ، فإن وقفت عند معصية واحدة لا تتعداها وتلح عليك هذه المعصية ، وكلما عزّ عليك باب من أبوابها تجد بابا آخر
تفسير الشعراوي — صفحة 2237 | محمد متولي الشعراوي