تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2234

مساهمون:

ص٢٢٣٤
والبخيل عندما يكثّر ماله يكون قد حرّم على نفسه هذا المال ثم يأتي ابن له يريد أن يستمتع بالمال ، ولذلك يقال في الريف : مال الكنزى للنزهى ، ولا أحد بقادر أن يخدع خالقه أبدا ! ! فسبحانه يوضح : أنا أعطيتك نعمة أنت لم تعطها لأحد ، لكني سأيسر السبيل لطائع لي ، إياك أن تظن أنك خدعتنى عندما بخلت ، فبخلك يقع عليك . إذن فأنت قد ضيقت رزقك بالبخل ولو أنفقت لأعطاك اللّه خيرا كثيرا
« وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ »
لكنك تركته لورثتك وسيأخذونه ليكون رزقهم متسعا ، وأيضا فإنك حين تمنع المال عن غيرك فأنت قد يسرت سبيلا لمن يبذل . كيف ؟ لنفترض أن إنسانا كريما ، وكرمه لا يدعه يتوارى من السائل ، والناس لها أمل فيه . وبعد ذلك لم ينهض دخله بتبعاته ، فإن كان عنده « فدانان » فهو يبيع فدانا ليفرج به على المحتاجين ، وعندما يبيع الفدان سيشتريه من يكتنز ، فيكون المكتنز قد يسّر سبيلا للكريم ، فإياك أن تظن أنك قادر على خداع من خلقك وخلق الكون وأعطاك هذه النعمة ، وهذا يشبه صاحب السيئة الذي منّ اللّه عليه بالتوبة والرجوع إلى اللّه ، إننا نقول له : إياك أن تعتقد أنك اختلست شهوة من اللّه أبدا . أنت اختلست شهوة ستلهبك أخيرا ، وتجعلك تفعل حسنات مثلها عشرين مرة ، لأنه سبحانه قد قال :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
( من الآية 114 سورة هود ) فأنت لن تضحك على خالقك لأنه سيجعلها وراءك ، فتعمل خيرا كثيرا ، كذلك البخيل نقول له : ستيسر سبيلا لكريم بذّال ، والحق سبحانه وتعالى بيّن في آخر الآية السبب الذي حمله على ذلك ، إن الأسباب متعددة . لكن تجمعها كلمة « شيطان » ، فكل من يمنعك من سبيل الهدى هو شيطان ، ابتداء من شهوات نفسك وغفلة عقلك عن المنهج ، إنّها قرين سوء يزين لك الفحشاء ، ويزين لك الإثم ، إنّ وراء كل هذه الأمور شيطانا يوسوس إليك ، وكل هؤلاء نسميهم « شيطانا » لأن الشيطان هو من يبعدك عن المنهج ، وهناك شياطين من الجن ، وشياطين من الإنس ، فالنفس حين تحدث الإنسان ألّا يلتزم بالمنهج ؛ لأن التزامه بالمنهج سيفوت عليه فرصة شهوة - هي شيطان . إنّ النفس التي ترى الشهوة العاجلة وتضيع منها شهوة آجلة لا حدود لها - هي شيطان . فالشيطان إذن هو الذي جعلهم