لا يتحول عنه . قال علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه :
« فجئت المسجد ، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة ، وكان أنعم غلام بمكة وأرفه ، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكر ما كان فيه من النعيم ، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه عليه ، ثم قال : أنتم اليوم خير أم إذا غدى على أحدكم بجفنة من خبز ولحم ؟ فقلنا : نحن يومئذ خير نكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة ، فقال : « بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ » « 1 » .
وقلنا : يجب أن تذكروا جيدا أن من حلاوة اليقين وحلاوة الإيمان أن المؤمن يضحّى بكل شئ في سبيل رفعة الإيمان . لكن أصحاب المبادئ الباطلة لا يدخلون غيرهم فيها إلا إن دفعوا الثمن مقدما ، أي أنهم يشترونهم . فإذا رأيت مبدأ من المبادئ يشترى البشر فاعرف أنه مبدأ باطل . . ولو كان مبدأ حق لدفع الإنسان من أجل أن يدخل فيه نفيس ماله ، بل ويضحى في سبيله بنفسه أيضا .
ومن عجائب مبادئ الإسلام أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حينما أخذ العهد لنفسه في بيعة العقبة ، قال له الأنصار : فإن نحن وفّينا بهذا فما ذا يكون لنا ؟ كأنهم يقولون : أنت أخذت مالك فماذا يبقى لنا ؟ . .
انظروا إلى سمو الإيمان ، ويقين المصطفى بأن الإيمان نفسه جائزة ، فهل بشرهم بأنهم سيملكون الأرض ؟ هل بشرهم بأن هؤلاء المستضعفين هم الذين سيمكنون فيها ؟ لا ، بل قال لهم : لكم الجنة . فلو قال لهم : لكم سيادة الدنيا ، لكان في ذلك نظر ، صحيح أن الدنيا دانت وخضعت لهم ، لكن منهم من مات قبل أن تدنو له الدنيا وتذل ، فأين صدق النبوءة ؟
إذن فقد قال لهم عن الشئ المضمون ، الشئ الذي يجد المؤمن فيه نفسه من فور أن يموت . قال لهم : لكم الجنة . فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وحوله
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في صفة القيامة باب حال مصعب بن عمير بعد الاسلام وأخرجه الحاكم ، وأورده ابن سعد في طبقاته وابن الأثير في « أسد الغابة » .