تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2230

مساهمون:

ص٢٢٣٠
ثم سبحانه يقول :
« وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ » ،
وساعة ترى شيئا يكتم شيئا ، لا بد أن تفهم منها أن هذا الكتم معناه : منع شئ يريد أن يخرج بطبيعته ، وكما يقولون : اكتم الدم فلو لم تكتمه يستطرق . كأن المال أو العلم يريد أن يخرج للناس ولكن أصحابه يكتمونه . وكأن الفطرة الطبيعية في كل رزق سواء أكان رزقا ماديا أم رزقا معنويا أنه يستطرق ؛ لأن كل شئ مخلوق لخدمة الإنسان ، فعندما يأتي إنسان ويحوز شيئا مما هو مخلوق لخدمة الإنسان ويحجبه فهو بذلك يمنع الشئ المكتوم من رسالته ؛ لأن كل شئ مخلوق لخدمة بني آدم ، فعندما تعوقه عن هذه الخدمة فالشىء يحزن ، وليتسع ظنكم إلى أن الجمادات تحزن أيضا .
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
( من الآية 29 سورة الدخان ) فالسماء والأرض لهما بكاء ، ليس بكاء دموع إنما بكاء يعلم اللّه كنهه وحقيقته ، إذن فقوله :
« وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ » .
كأنه يقول : ما آتاه لك اللّه من فضله ليس ملكك ، وليس ذاتية فيك ، فأنت لم تأت به من عندك . وانظر إلى الكون حولك تجده كله أغيارا ، ألم تر في حياتك قادرا أصبح عاجزا ؟ ألم تر غنيا أصبح فقيرا ؟ فالدنيا دول ، وما من واحد إلا ويمر أمام عينيه وفي تاريخه وفي سماع من يثق بكلامه أنه « كان » هناك غنىّ ثم صار فقيرا ، فلماذا لا تعتبر بالأغيار التي قد تمر بك ، وبعد أن كان يطلب منك أن تعطى ، صرت في حال يطلب الحق سبحانه من غيرك أن يعطيك ، ادخر لنفسك الآن - بالخير تبذله - حتى إذا جاءتك الأغيار تجد لك ما ينتظرك .
« الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً »
انظر ماذا فعل فيه البخل ، إنه جعل صاحبه كافرا ؛ لأن البخيل ستر نعمة كان من الممكن أن تتسع له ولغيره ، فجاء له بالشئ الذي يخيف :
« وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً »
« اعتدنا » أي أعددنا وهيأنا . فالمسألة موجودة وقد أعدت ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حينما يتكلم عن الجنة يقول : ( عرضت علىّ الجنة لو مددت يدي لتناولت من قطوفها ) « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه النسائي وأحمد ، وأورده المتقى الهندي في كنز العمال .