تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2226

مساهمون:

ص٢٢٢٦
به . إذن فالإنسان لا بد أن يخفف عن نفسه الكىّ ، والذين يبخلون لا يكتفون بهذه الخسيسة الخلقية في نفوسهم بل يحبّون أيضا أن تتعدى إلى سواهم كأنهم عشقوا البخل ، ويؤلمهم أن يروا إنسانا جوادا ؛ يقول لك البخيل : لا تنفق ؛ لأنه يتألم حين يرى إنسانا جوادا ، ويريد أن يكون الناس كلهم بخلاء ؛ كي لا يكون أحد أحسن منه . إنه يعرف أن الكرم أحسن ، بدليل أنه يريد أن يكون الناس كلهم بخلاء ، والبخل : ضن بما أوتيته على من لم يؤت . وهل البخل يكون في المال فقط ؟ . لا ، بل يكون في كل موهبة أوتيتها وتنقص عند غيرك ويفتقر إليها ، إن ضننت بها فأنت داخل في البخل . إن الذي يبخل بقدرته على معونة العاجز عن القدرة ، والذي يبخل بما عنده من علم على من لا يعلم ، هذا بخل ، والذي يبخل على السفيه حتى بالحلم هذا بخل أيضا ، فإن كانت عندك طاقة حلم فابذلها . إذن فالبخل معناه : أنك تمنع شيئا وهبه اللّه لك عن محتاجه ، معلم - مثلا - عنده عشرة تلاميذ يتعلمون الصنعة ، ويحاول أن يستر عنهم أسرار الصنعة ؛ يكون قد بخل .
« الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ »
والآية معناها يتسع لكل أمر مادي أو قيمي . ونحن نأخذها أيضا في المعاني العالية ، فالذين أوتوا الكتاب كانوا يعرفون صفته صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فلما جاءهم مصدقا لما معهم كفروا برسالته صلّى اللّه عليه وسلّم وكتموا معرفتهم به عن الناس ، وكتموا معرفتهم بما جاء به من علم وهو الصادق المصدوق . وهذا بخل في القمة ، وبعد ذلك استمروا يأمرون الناس بالبخل . وأنتم تعرفون أن الأنصار كانت عندهم الأريحية الأنصارية ، وساعة ذهب إليهم المهاجرون ، قاسموهم المال ، حتى النعمة التي غرس اللّه في قلب المؤمن الغيرة عليها من أن ينالها أحد حتى ولو كان كارها لها ، وهي نعمة المرأة ؛ لأن الرجل حتى وإن كره امرأته فهو يغار أن يأخذها أحد ، ولكن الأنصار اقتسموا الزوجات ، فكم من
تفسير الشعراوي — صفحة 2226 | محمد متولي الشعراوي