إذن فعندما يتكبر المتكبر ، إنما يفعل ذلك لأن اللّه ليس في باله . لكن لو كان الحق المتكبر بذاته في باله لاستحى ، فإذا كان في بالك من يعطيك لاستحييت .
إذن فمعنى المتكبر أن ربنا غائب عن باله ؛ لذلك يقول الحق في ختام الآية :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً »
وما « الاختيال » ؟ وما « الفخر » ؟
إن المادة كلها تدل على زهو الحركة ، ولذلك نسمى الحصان « خيلا » ؛ لأنها تتخايل في حركتها ، وعندما يركبها أحد تتبختر به ؛ ولذلك نسمى الخيلاء من هذه . إذن « الاختيال » : حركة مرئية ، « والفخر » حركة مسموعة ، فالحق ينهى الإنسان عن أن يمشى بعنجهية ، كما نهاه عن أن يسير مائلا بجانبه ولا أن يعتبر نفسه مصدرا للنعمة حتى لا ينطبق عليه قوله سبحانه :
ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 10 )
( سورة الحج )
أما الفخر فهو أن يتشدق الإنسان بالكلام فيحكى عما فعل وكأنه مصدر كل عطاء للبشر ، والخيلاء والفخر ممنوعان ، وعلى المسلم أن يمتنع عن الحركة المرئية وعن كلام الفخر ، ولماذا جاء الحق بهذا هنا ؟ إنه جاء به حتى لا يظن عبد أنه يحسن إلى غيره من ذاتيته ، إنه يحسن مما وهبه اللّه .
ولا يصح أن تستخدم من أحسنت إليهم وتتخذهم عبيدا ؛ لأنّك تحسن عليهم .
وعندما تنظر إلى سيادتك على هؤلاء لأنك تعطيهم ، فلما ذا لا تنظر إلى سيادة من أعطاك ؟ إنك عندما تفعل ذلك وتنظر إلى سيادة خالقك فإنك قد التزمت الأدب معه وبعدت عن الاختيال والفخر بما قدمت لغيرك ، يقول الحق :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً
( من الآية 36 سورة النساء )
وبعد ما قال الحق :
« وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »
قال :
« وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى » .