تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1972

مساهمون:

ص١٩٧٢
البقرة . والسورتان تشتركان معا في قضية عقدية أولى ، وهي الإيمان باللّه والتصديق بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به من عند اللّه خاتما للرسالات ومهيمنا عليها . ولذلك تكلم الحق عن قضية الإيمان وقضية الهدى وقضية الكتاب ، ثم تعرض الحق لرواسب ديانات سابقة تحولت عن منهج اللّه إلى أهواء البشر ، فجادل في سورة البقرة اليهود ، وجادل في سورة آل عمران النصارى . وبعد ذلك عرض قضية إيمانية تتعلق بموقف المسلمين المؤمنين باللّه وبتصديق رسوله في معترك الحياة ، وعرض معركة من المعارك ابتلى فيها المؤمنون ابتلاء شديدا ، ثم عرص للقضية الإيمانية حين يثوب المؤمن المتخاذل إلى منهج ربه . وبعد أن ينتهى من هذه ، يقول الحق :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
أي يا من آمنتم بما تقدم إيمانا باللّه ، وتصديقا بكتابه ، وتصديقا برسالته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتمحيصا للحق مع اليهود ، وتمحيصا للحق مع أهل الكتاب جميعا ، تمحيصا لا جدليا نظريا ، ولكن واقعيا في معركة من أهم معارك الإسلام وهي معركة أحد ، فيا من آمنتم باللّه إيمانا صادقا صافيا ، استمعوا إلىّ يا من آمنتم بي « اصبروا » وهذا أمر ، و « صابروا » أمر ثان ، و « رابطوا » أمر ثالث ، و
« اتَّقُوا اللَّهَ »
أمر رابع . إنها أربعة أوامر ، والغاية من هذه الأوامر هي
« لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
. إذن فمن عشق الفلاح فعليه أن ينفذ هذه الأربعة : اصبر ، صابر ، رابط ، اتق اللّه ، لعلك تفلح . والحق سبحانه وتعالى حين يعبر عن الفلاح إنما يعبر بأمر مشهود محس للناس جميعا ، لم يقل لك : افعل ذلك لتنجح أو لتفوز . إنما جاء بكلمة « الفلاح » . و « الفلاح » كما قلنا : مأخوذ من فلح الأرض . وفلح الأرض هو شقها لتتعرض للهواء ، ولتكون سهلة هينة تحت الجذير البسيط الخارج من البذرة ، فإذا فلحت الأرض بهذه المشقة حرثا وبذرا وتعهدا بالري ماذا يحدث لك من الأرض ؟ إنها تؤتيك خيرا ماديا مشهودا ملحوظا . إذن فقد ضرب اللّه المثل في المعنويات بالأمر المحس الذي يباشره الناس جميعا ، وأي فلاح هذا الذي يقصده الحق سبحانه وتعالى ؟ إنّه فلاح الدنيا وفلاح الآخرة ؛