تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1974

مساهمون:

ص١٩٧٤
والضراء وحين البأس ، وإذا كان عدوك الذي جئت لتدحض منهجه الباطل بمنهجك الحق صابرك وصابر أيضا على إيذائك ، فعليك أن تصابره . ماذا يعنى ذلك ؟ يعنى أن « اصبر » غير « صابر » ، فاصبر هو أمر في نفسك ستصبر عليه ، ولكن هب أن خصمك صبر أيضا على إيذائك ، وصار عنده جلد ليقف أمامك هنا ، الحق يأمرك هنا بأن تصابره ، أي إذا كان عدوك يصبر قليلا فعليك أنت أن تقوى على الصبر عليه ، أي أن تجىء بصبر فوق الصبر الذي يعارضك ، وكل مادة « فاعل » هكذا . مثال ذلك : عندما تقول : فلان نافس فلانا . والمنافسة تكون بين اثنين يحتاجان ويقصدان غاية ، وكل واحد يريد أن يصل إليها ، والذي يريد أن يصل إليها يريد أن يصل بحرص ، فإن كان معاندك يحرص عليها بخطوة فاحرص عليها أنت بخطوتين ، هذه هي المنافسة ؛ فالمنافسة مغالبة على الفوز ، والحق يقول :
وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
( من الآية 26 سورة المطففين ) والأصل فيها هو : إطالة النفس حين يغطس الإنسان في الماء ، وسيدنا عمر - رضى اللّه عنه - قال للعباس - رضى اللّه عنه - : أتنافسنى ؟ أي عرض عليه أن ينزلا معا تحت الماء ، ويرى من منهما أطول نفسا . إذن فالفطن الكيّس هو من يتمرس على هذا العمل ولا ينزل إلى الماء في نفس متردد ، بل يأخذ كمية من الهواء بشهيق يتسع له تجويف صدره كله ليكون عنده حصيلة يستطيع بها أن يمكث في الماء أطول مدة من الثاني ، أما الذي يغطس وليس عنده هذه الحصيلة ، فسيأخذ مقدار شهيق وزفير فقط ، « فنافسنى » تعنى أن نغطس في الماء معا لنرى من منا أطول نفسا . أي أنه قادر على أن يحتفظ بكمية من الهواء تستطيع أن تؤدى وظيفة حياته مدة طويلة ، ولا يمكن أن يتأتى هذا إلا إذا أخذت شهيقا يملأ الصدر حتى إنك لا تقدر أن تزيد ، ولذلك فالطبيب عندما يريد أن يفحص حالة الرئة يقول للمريض : خذ نفسا طويلا ، لأنه يريد أن يرى المريض وقدرته . إذن فالمصابرة تعنى إن كان خصمك يصابرك فأنت تصبر وهو يصبر ، فتصبر أنت
تفسير الشعراوي — صفحة 1974 | محمد متولي الشعراوي