تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1973

مساهمون:

ص١٩٧٣
فلاح الدنيا بأن تنتصروا على خصومكم ، وأن تعيشوا معيشة آمنة مستقرة رغدة ، وفلاح الآخرة أن تأخذوا حظكم من الخلود في النعيم المقيم ، وما دام سبحانه يقول : اصبروا فلا بد أن يكون هذا إيذانا بأن فيه مشقة ، فالإيمان يؤدى إلى الجنة ، والجنة محفوفة بالمكاره ؛ لذلك لا بد أن تكون فيه مشقات . وإذا نظرت إلى تلك المشقات تجدها في ذات النفس منفصلة عن المجتمع تارة ، وتجدها في ذات النفس مع المجتمع تارة أخرى ، أما في ذات النفس مفصولة عن المجتمع ، فإن الصبر يقتضى أن تصبر على تنفيذ أمر اللّه في فعل الطاعات وعلى تحمل الألم منه في ترك المعاصي وإن كان ذلك يمنعك عن لذة شهوة تحبها فإنك تصبر عن تلك الشهوة التي تلح عليك ، فمجاهدة المؤمن أن يصبر عن الشهوات التي نهى اللّه عنها ، والأشياء التي تصيب الإنسان يصبر عليها ، فالمصيبة في النفس يصبر عليها ، والأشياء التي يصبر عنها من النواهي هي الشهوات والمتع التي يحرمها اللّه . وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول : إنني خلقتك وأعلم منازعة نفسك إلى الشهوة ، لأنك تحبها فاصبر عنها ، والأمور التي في الطاعة إن فعلتها ستورثك مشقة في ذاتك ، اصبر عليها ، إذن ففي الأوامر صبر على تنفيذها ، وفي المناهى صبر عن إيقاعها ، هذه كلها في الذات ، وبعد ذلك إذا تعدت المسألة من الذاتية إلى المحيط الخارجي فالحق يقول :
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
( 177 ) ( من الآية 177 سورة البقرة ) يقول : « صابرين في » ، فعندنا : « صابر على » ، و « صابر عن » ، و « صابر في » ،
« وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ »
التي تقع عليهم من المجتمع الخارج عنهم ، وكيف تصيبهم البأساء من المجتمع الخارج عنهم ؟ نعم ، لأن منهج الحق إنما يجئ ليصوب الخطأ في حركة المجتمع . والخطأ في حركة المجتمع إنما يستفيد منه أناس وهم يحرصون جاهدين أن يصدوا من يريدون تثبيت منهج اللّه ، إذن فهم لا يقصرون في إيذائهم ، وفي السخرية منهم ، وفي إتعابهم وفي حربهم ، وهذا صبر في البأساء