تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1971

مساهمون:

ص١٩٧١
والحق سبحانه وتعالى يؤرخ للإيمان تأريخا صادقا أمينا ، فالقرآن لم يتحامل على أهل الكتاب لأنهم عاندوا رسول اللّه وواجهوا دعوته وصنعوا معه كل ما يمكن أن يحبط الدعوة ويقضى عليها . إن القرآن يقول : في شأن بعض منهم منصفا لهم :
« وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ »
. وهذا اسمه - كما قلنا - صيانة الاحتمال . فساعة يقول الحق :
« وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ » ،
ساعة ينزل هذا الكلام ، فيسمعه بعض من أهل الكتاب الذين انشغلوا في أعماقهم بتصديق الرسول ، ويعرضون قضية الإيمان على نفوسهم ، فإذا ما كانوا كذلك ماذا يكون موقفهم وهم الذين يفكرون في أمر الإيمان بما جاء به محمد ؟ إنهم عندئذ يقولون لأنفسهم : هذه مسألة في أعماقنا ، فمن الذي أطلع محمدا عليها ؟ إن ذلك دليل على أن محمدا لا ينطق عن الهوى ، وأن اللّه يعلمه بما في نفوسنا مما لم يبرز إلى حيز الوجود . وما دام الحق يخبره بما لم يخرج إلى حيز الوجود فلا بد أنه صادق . فإن كانت الآية قد قيلت بعد أن آمنوا فلن يكون لها هذا الوقع . إذن فلا بد أن هذا القول تبشير بأن كثيرا من أهل الكتاب يفكرون في تصديق رسول اللّه في البلاغ من اللّه ، وهم بصدد أن يؤمنوا . فقول اللّه ذلك يجعل العملية الإيمانية في نفوسهم مصدقة ، لأنهم يقولون : إنّ الرسول الذي يقول ذلك هو مبلغ عن إله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . ويقول الحق من بعد ذلك :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 200 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) هذه الآية هي ختام سورة آل عمران . وسورة آل عمران جاءت بعد سورة