تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2187

مساهمون:

ص٢١٨٧
زرع ، قالت له : أتتركنا في مكان ليس فيه حتى الماء ، أهذا نزلته برأيك أم اللّه أنزلك فيه ؟ . قال لها : أنزلني اللّه هذا المكان . فقالت له : اذهب كما شئت فإنه لا يضيعنا . هذه المهمة للمرأة . هاجر مع طفل في مكان ليس فيه مقوم الحياة الأول وهو الماء . فانظروا عطفها وحنانها ، ما ذا فعلت ؟ لقد سعت بين الصفا والمروة ، صعدت الجبل إلى أن أنهكت قواها . إن الذي يذهب إلى الحج أو العمرة ويجرب الأشواط السبعة هذه يعرف أقصى ما يمكن أن تتحمله المرأة في سبيل ابنها ؛ لأن هذا موقف عطف وحنان ، ابنها يريد أن يشرب . وكأن اللّه قال لها : إنك قد سعيت ولكني سأجعل رزقك من حيث لا تحتسبين ، أنت سعيت بين الصفا والمروة ، والماء ينبع تحت قدمي ولدك . إذن فصدقت في قولها : إنه لا يضيعنا ، ولو أن سعيها جاء بالماء لظننا جميعا أن السعي هو الذي يأتي بالماء ، ولكن اسع ولا تعتقد في السعي ، بل اعتقد في الرزّاق الأعلى ، تلك مسألة ظاهرة في أمنا هاجر . وحينما جاء موقف الابتلاء بالذبح ، اختفت هاجر من المسرح ، وجاء دور سيدنا إبراهيم بحزمه وعزمه ونبوته . ورأى في الرؤيا أنه يذبح ابنه ، أين أمه في هذا ؟ اختفت من المسرح ؛ لأن هذا موقف لا يتفق مع عواطفها وحنانها . إذن فكل واحد منهما له مهمة . والنجاح يكون على قدر هذه المهمة . ولذلك يقول الحق :
« وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ »
فساعة ترى جنسا أخذ شيئا وجنسا آخر أخذ شيئا ، إياك أن تشغل بالك وتتمنى وتقول : « أريد هذه » ، ولكن اسأل اللّه من فضله ؛ لأن كلمة
« وَلا تَتَمَنَّوْا »
هي نهى عن أن تتمنى ما فضل اللّه به بعضا على بعض ، ولذلك يقول :
« وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ » .
وما دمت تسأل اللّه من فضله ؛ فهنا أمل أن يعطيك . وقد يرى البعض هنا مشكلة فيتساءل : كيف ينهانا اللّه عن أن نتمنى ما فضل اللّه به بعضنا على بعض فقال :
« وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ »
مع أن فضل اللّه من شأنه أن يفضل بعضنا على بعض بدليل قوله : ( ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ) فضلا على أنني أطمع في أن أسأل اللّه ليعطينى ؛ لأنه - سبحانه -