تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2185

مساهمون:

ص٢١٨٥
إذن فالقدر المشترك هو حرية الاعتقاد ، فلا سلطان لنوع على نوع ، وكذلك حرية التعقل في المهمات ، وعرفنا كيف أن أم سلمة - رضى اللّه عنها - أشارت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة الحديبية إشارة أنقذت المسلمين من انقسام فظيع أمام حضرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعرفنا قصة بلقيس - ملكة سبأ - التي استطاعت أن تبرم أمرا تخلّى عنه الرجال ، إذن فمن الممكن أن يكون للمرأة تعقل وأن يكون للمرأة فكر ، وحتى قبل أن يوجد الإسلام كانت هناك نساء لهن أصالة الرأي ، وحكمة المشورة في نوع مهمتها . فمثلا يحدثنا التاريخ أن ملك « كندة » سمع عن جمال امرأة اسمها « أم إياس » بنت عوف بن محل الشيباني ، فأراد أن يتزوجها ، فدعا امرأة من « كندة » يقال لها : « عصام » وكانت ذات أدب وبيان وعقل ولسان ، وقال لها : اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف . أي أرسلها خاطبة . فلما ذهبت إلى والدة « أم إياس » واسمها « أمامة بنت الحارث » وأعلمتها بما جاءت له . وأرسلت الأم تستدعى الابنة من خيمتها ، وقالت لها : هذه خالتك جاءت لتنظر إلى بعض شأنك فلا تسترى عنها شيئا أرادت النظر إليه من وجه وخلق وناطقيها فيما استنطقتك به . فلما اختلت « عصام » بالبنت فعلت مثل ما أمرتها أمها . وكشفت للخاطبة « عصام » عن كل ما تريد من محاسنها ، فقالت الخاطبة كلمتها المشهورة : « ترك الخداع ما انكشف القناع » ، وصار هذا القول مثلا ، أي أن القناع عندما يزول يرى الإنسان الحقيقة ، وعادت الخاطبة « عصام » إلى الملك فسألها : ما وراءك يا « عصام » إنه يسأل : أي خبر جئت به من عند « أم إياس » ؟ . فقالت : أبدى المخض عن الزبد . والمخض هو : هزّ الحليب في القربة ليفصل الزبد عن اللبن . وذلك يعنى أن رحلتها قد جاءت بنتيجة . فقال لها : أخبريني . قالت : أخبرك حقا وصدقا . ووصفتها من شعرها إلى قدمها وصفا أغرى الملك . فأرسل إلى أبيها وخطبها وزفت إليه . وفي ليلة الزفاف نرى الأم العاقلة توصى ابنتها في ميدان عملها ، في ميدان
تفسير الشعراوي — صفحة 2185 | محمد متولي الشعراوي