فاحترامهما والبرّ بهما ليس - فقط - لأنهما سبب في وجودك وإنما - أيضا - لأنهما ربياك صغيرا فعليك بالبر بهما ، وهذا يحثك ويدفعك إلى أن تحفظ الجميل لمن كان سببا في إيجادك ، وتربيتك ، وعندما ترقيها وتتساءل : من أوجد أباك ؟ جدّك . ومن أوجد جدّك ؟ تصل إلى أين ؟ لا يمكن أن تكون لها نهاية إلا أن تتصل بمن لا نهاية له ، وهو أن اللّه قد خلق آدم .
ثم قال : قتل النفس ، والقتل هو نقض بنية الكائن ، وهو يختلف عن الموت ، فالموت أن يموت الإنسان وبنيته سليمة ، لكن إن تلقى ضربة على رأسه فهو يموت منها ، هذا هو نقض البنية سواء أكان الضرب بحجر أم برصاصة أم بأي شئ .
ولنقرأ القرآن بإمعان ، إنّ الحق يقول :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
( من الآية 144 سورة آل عمران )
فالموت هو سلب الحياة بدون نقض بنية ، وهذا لا يجريه إلا اللّه ، إنما القتل بهدم البنية ، فأي إنسان يستطيع أن يفعله ، فتخرج الروح بإذن اللّه ، وليس معنى ذلك أن أحدا عجّل بأجل القتيل ، لا ، ولكنه تدخل في بنيان أقامه اللّه فهدمه ، ولو لم يتدخل أحد في بنيان اللّه ليهدمه لكان أجله قد جاء . إذن فالقاتل يعاقب لأنه تدخل في هدم البنية وهو يعرف أن هذه الروح لا تحل إلا في بنيان له مواصفات خاصة تقتضى أن يكون المخ سليما ، وكذلك القلب ، وبقية أجزاء الجسم . لكن حين يجئ الأجل يموت الإنسان ولو لم ينقض أحد البنية .
وضربنا مثلا لنقرّب هذا الأمر - وللّه المثل الأعلى :
إنّ هذه الروح نشبهها بالكهرباء ، فأنت لا تعرف الروح ولم ترها ولم تسمعها ولم تشمّها ولم تذقها ، إذن فبأي وسيلة من وسائل الإدراك أنت لا تعرفها . لكنك تعرف أنها تدير حياة جسمك كله ، بدليل أن الروح عندما تسحب من الجسم يصير رمّة .
وقد جعلها اللّه كدليل ذاتي في النفس البشرية على وجود إله لا تدركه الأبصار وهو