تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2152

مساهمون:

ص٢١٥٢
سبحانه : أنا أحترم هذا فيك لأنه وليد الاختيار ، وأنا الذي وهبت لك هذا الاختيار . والحق حين وهب الاختيار لهذا الجنس الذي هو سيد الأجناس كلها ، يحبّ أن يأتي لربه راغبا محبّا : لأن هناك فارقا بين أن يسخّر المسخّر ولا يستطيع أن ينفلت عما قدر له أن يعمله ، وتلك تؤديها صفة القدرة للّه ، لكن لم تعط للّه صفة المحبوبية ؛ لأن المحبوبية أن تكون مختارا أن تطيع ومختارا أن تعصى ثم تطيع ، هذه صفة المحبوبية ، واللّه يريد من الإنسان أن يثبت بطاعته صفة المحبوبية له سبحانه ، فالإنسان المحب لمولاه برغم أنه مختار أن يفعل الطاعة أولا يفعلها ينحاز بالإيمان إلى جانب الطاعة .
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ »
كأن اللّه بعد تكليفاته في أمور الأعراض والأموال وتكليفاته في الدماء من قتل النفس وغيرها ، أوضح : إياكم أن تستقبلوا الأشياء استقبالا يجعلكم تيأسون من أنكم قد تعجزون عن التكليف لبعض الأمور ، فأنا سأرضى باجتناب الكبائر من المساوى : فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ، والجمعة للجمعة كفارة ، ومن رمضان لرمضان كفارة ، لكن بشرط ألا يكون عندكم إصرار على الصغائر لماذا ؟ لأنك إن قدرت ذلك فقدر أنك لا تقدر على استبقاء حياتك إلى أن تستغفر ، فلا تقل : سأفعل الذنب ثم أستغفر ، هذه لا تضمنها ، وأيضا تكون كالمستهزىء بربّه .
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » -
في السيئات يقول :
« نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ »
وقلنا : إن « الكفر » هو « الستر » أي يسترها - ومعنى نسترها يعنى لا نعاقب عليها ، فالتكفير إماطة للعقاب ، والإحباط إماطة للثواب . فإن ارتكب إنسان أمرا يستحق عليه عقابا وقد اجتنب الكبائر يكفر عنه اللّه أي يضع ويستر عنه العقاب ، أمّا من عمل حسنة ولم يقبلها اللّه ، فهو يحبطها ، إذن فالتكفير - كما قلنا - إماطة للعقاب ، و « الإحباط » إماطة للثواب كما في قوله :
فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
( من الآية 217 سورة البقرة )