تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2151

مساهمون:

ص٢١٥١
هذه الآية هي إحدى ثماني آيات قال عنها ابن عباس - رضى اللّه عنه - : في هذه السورة - سورة النساء - ثماني آيات خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت ، وقلنا : إن هذه الآيات تبدأ بقوله سبحانه :
« يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ » ،
« وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ » ،
« يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ » ،
ثم جاءت :
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ » .
و « الاجتناب » ليس معناه عدم مزاولة الحدث أو الفعل ، ولكن عدم الاقتراب من مظان الحدث أو الفعل حتى يسدّ المؤمن على نفسه مخايلة شهوة المعصية له وتصوره لها وترائيها له . هذه الآيات الكريمات كانت خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت ، لأنها تحمى من حمق الاختيار الذي وجد في الإنسان حين لا يلتزم بمنهج اللّه ، ولو أن الإنسان كان مسيّرا ومكرها على الفعل لارتاح من هذا الاختيار . وتعب الإنسان جاء من ناحية أن اغترّ بميزته على سائر خلق اللّه ، والميزة التي ميّز اللّه بها الإنسان هي العقل الذي يختار به بين البديلات . بينما سائر الأجناس كلها رضيت من اللّه أن تكون مسخرة مقهورة على ما جعلها له بدون اختيار . ونعرف أن الحق قال :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) ( سورة الأحزاب ) فالإنسان قد ظلم نفسه ، لأنه أرجح نفسه عند اختيار الشهوة أو اختيار مرادات منهج اللّه ، بينما المقهورون أو المسخرون ليست عندهم هذه المسألة . وكل كائن منهم يقوم بعمله آليا وارتاح من حمق الاختيار - فهذه الآيات طمأنت الإنسان على أنه إن حمق اختياره في شئ فاللّه يريد أن يبصره ، واللّه يريد أن يتوب عليه ، واللّه يريد أن يخفف عنه . واللّه يريد إن اجتنب الكبائر أن يرفع عنه السيئات ويكفرها . كل هذه مطمئنات للنفس البشرية حتى لا تأخذها مسألة اليأس من حمق الاختيار ، فيوضح : أنا خالقك وأعرف أنك ضعيف لأنّ عندك مسلكين : كل مسلك يغريك ، تكليف اللّه بما فيه من الخير لك وما تنتظره من ثواب اللّه في الآخرة يغرى ، وشهوة النفس العاجلة تغرى . وما دامت المسألة قد تخلخلت بين اختيار واختيار فالضعف ينشأ ؛ لذلك يوضح
تفسير الشعراوي — صفحة 2151 | محمد متولي الشعراوي