ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 26 ]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 )
ما ذا يبين لنا ؟ إنه - سبحانه - يبين القوانين الحاكمة لانتظام الحياة . . وقلنا إنه لا يمكن أن يوجد تجريم إلا بنص ولا توجد عقوبة إلا بتجريم . فقبلما يعاقبك على أمر فهو يقول لك : هذه جريمة وينص عليها ، إنه لا يأتي ليقول لك : فعلت الشئ الفلاني وهذه عقوبته ؛ لأنك قد تقول له : فعلت هذا الفعل من قبل ولم أعرف أنه جريمة وعليه عقوبة . إذن فلا يمكن أن تعاقب إلا إذا أجرمت ، ولا يمكن أن تجرم إلا بنص ، فيريد اللّه أن يبصركم ببيان ما تصلح به حركة حياتكم ، واللّه آمن عليكم من أنفسكم ، لأنه هو سبحانه الذي خلق وهو يعلم من خلق .
إن سبحانه - وحده - الذي يقنن ما يصلح مخلوقه ، أما أن يخلق هو وأنت تقنن فهذا اعتداء ؛ لأنه سبحانه يقنن لما يعلم - وللّه المثل الأعلى - وقلنا سابقا : إن المهندس الذي يصنع التليفزيون هو الذي يضع له قانون الصيانة ؛ لأنه هو الذي صمم الآلة ، وهو الجدير بأن يضع لها قانون صيانتها ، فيعلمنا : المفتاح هذا لكذا ، وهذا للصورة وهذا للصوت .
إن الذي خلق الإنسان هو الذي يضع قانون صيانته المتمثل في « افعل ولا تفعل » ، وترك سبحانه أمورا لم يرد فيها افعل ولا تفعل ، وهي متروكة على الإباحة ، تفعله أو لا تفعله ، إنه سبحانه :
« يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » ،
والسنة هي الناموس الحاكم لحركة الحياة . والحق يقول :
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
( 62 )
( سورة الأحزاب )