تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2133

مساهمون:

ص٢١٣٣
نقول : التوبة لا بد أن تكون مشروعة أولا من اللّه ، وإلا فهل لك أن تتوب إلى اللّه من الذنب لو لم يشرع اللّه لك التوبة ؟ أتصحّ هذه التوبة ؟ إنه سبحانه إذن يشرع التوبة أولا ، وبعد ذلك أنت تتوب على ضوء ما شرع ، ويقبل هو التوبة ، وبذلك نكون أمام ثلاث مراحل : أولا مشروعية التوبة من اللّه رحمة منه بنا ، ثم توبة العبد ، وبعد ذلك قبول اللّه التوبة ممن تاب رحمة منه - سبحانه - إذن فتوبة العبد بين توبتين من الرب : توبة تشريع ، وتوبة قبول .
« وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ » ،
ما دام سبحانه قد شرع التوبة أيشرعها ولا يقبلها ؟ ! لا ، فما دام قد شرع وعلمني أن أتوب فمعنى ذلك أنه فتح لي باب التوبة ، وفتح باب التوبة من رحمة العليم الحكيم بخلقه ؛ لأن الحق حينما خلق الإنسان زوده دون سائر الأجناس بطاقة من الاختيارات الفاعلة ، أي أن الإنسان يستطيع أن يفعل هذه أو يفعل تلك ، وجعل أجهزته تصلح للأمر وللنهي ، فالعين صالحة أن ترى آية في كون اللّه تعتبر بها ، والعين - أيضا - صالحة أن تمتد إلى المحارم . واللسان صالح أن تسب به ، وصالح أن تذكر اللّه به قائلا : لا إله إلا اللّه وسائر أنواع الذكر . واليد عضلاتها صالحة أن ترفعها وتضرب بها ، وصالحة لأن تقيل وترفع بها عاثرا واقعا في الطريق . هذا هو معنى الاختيار في القول وفي الفعل وفي الجوارح ، فالاختيار طاقة مطلقة توجهها إرادة المختار ، وإذا نظرت إلى اليد تجد أنك إذا أردت أن ترفعها ، فإنك لا تعرف شيئا عن العضلات التي تستعملها كي ترفع اليد . فالذي يرفع يده ماذا يفعل ؟ وما العضلات التي تخدم هذا الرفع ؟ وأنت ترى ذلك مثلا في الإنسان الميكانيكى أو تراه في رافعة الأثقال - الونش - التي ترفع الأشياء ، انظر كم عملية لتفعل ذلك ؟ أنت لا تعلم شيئا عن هذه المسألة في نفسك ، لكنك بمجرد أن تريد تحريك يدك فأنت تحركها وتطيعك . وعندما يريد المهندس أن يحرك الإنسان الآلى فهو يوجهه بحسابات معينة ليفعل كذا وكذا ، أما الإنسان فيحرك اليد أو القدم أو العين بمجرد الإرادة . والحق حين يسلب قدرة الإنسان - والعياذ باللّه - يصيبه بالشلل ، إنه يريد
تفسير الشعراوي — صفحة 2133 | محمد متولي الشعراوي