تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2134

مساهمون:

ص٢١٣٤
فلا تنفعل له اليد أو غيرها ولا يعلم ما الذي تعطل إلى أن يذهب إلى الأطباء ليبحثوا في الجهاز العصبى ، ويعرفوا لماذا لم تنفذ أعصابه الأوامر ، إنها عملية طويلة . إذن فالإنسان - عندما يريد الحركة - يوجّه الطاقة المخلوقة للّه فقط ، فليس له فعل في الحقيقة ، فأنا إن أثابنى اللّه وجازانى على طاعة فذلك لأنّى وجهت الآلة الصالحة للفعل إلى عمل الخير ، وعندما تسمع أنه لا أحد بيده أن يفعل شيئا فهذا صحيح ؛ لأن أحدا لا يعرف كيف يفعل أي شئ ، إنه فقط يريد ، فإن وجهت الطاقة للفعل فهذا عملك أنت . فمعنى الاختيار - إذن - أن تكون صالحا للفعل ومقابل الفعل وهو الانتهاء والترك . وعندما يبين الحق سبحانه وتعالى لك وينزل لك المنهج الذي يقول لك : وجه طاقتك لهذه ولا توجهها لهذه ، معنى ذلك أن طاقتك صالحة للاثنين . إذن فأنت مخلوق على صلاحية أن تفعل وألا تفعل ، وما تركه المنهج دون أن يقول لك فيه « افعل » ولا « تفعل » فإن فعلته على أي وجه لا يفسد به الكون ولا تفسد به حركة حياتك فهذا هو المباح لك . وحينما شرع الحق سبحانه التوبة أوضح : أنه إذا انفعل مريد لعمل شئ فوجه طاقته لعمل شئ مخالف ، قد تكون شهوته أو شرّته قد غلبت عليه ، فتوجه في ساعة ضعف إلى عمل شرّ ؛ لذلك شرعت التوبة . . لماذا ؟ لأننا لو أخرجنا هذا الإنسان من حظيرة المطيعين بمجرد فعل أول عمل شرّ لصارت كل انفعالاته من بعد ذلك شرورا ، وهذا هو الذي نسميه « فاقدا » ، فيشرع الحق : إن فعلت ذنبا فلا تيأس ، فنحن سنسامحك ونتوب عليك . فساعة شرع اللّه التوبة رحم المجتمع من شراسة أول عاص ، فلو لم تأت هذه التوبة لكثرت المعاصي بعد أول معصية . ومقابل قول الحق :
« وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ »
وتنبيهه أن الذنوب التي فعلتها قبل ذلك يطهرك منها بالتوبة ، مقابل ذلك الذين يتبعون الشهوات ويريدون منك أن تأتى بذنوب جديدة ؛ لذلك يقول الحق سبحانه :
« وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا »
والميل هو مطلق عمل الذنوب . إنّك بذلك تميل عن الحق ؛ لأن الميل هو انحراف عن جادة مرسومة لحكيم ، والجادة هي الطريق المستقيم .