تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2114

مساهمون:

ص٢١١٤
يدعو الناس ويقيم فرحا ؛ لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء ، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء . ولذلك روى : « جدع الحلال أنف الغيرة » . أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها ، فكأن الغيرة فيها حمية ، وإن طلب عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج النفس ، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس . وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها ، فما الذي يسبب الرضا ، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة ؟ إنه - سبحانه - هو الذي يفعل ذلك . والإنسان عليه أن يلتفت إلى أن كلّا منا مكون من ملكات متعددة ، فعقد الزواج وقول : « زوجني » و « زوجتك » وحضور الشهود ، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تسر ؟ إنها إرادة الحق . وهذا شئ معروف ، وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط ، والإلف السيال بينك وبينه ما زال في أوله ، يكفى عندما تقابله أن تلقى عليه السّلام وينتهى الأمر ، لكن هناك إنسان آخر لا يكفى هذا السيال الودي بينك وبينه ، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك ؛ لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير . إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييرا كيماويا في النفس ، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم اللّه ، والذي يأتي عن طريق ما شرع اللّه يحقق التجاذب . والشاعر عندما خاطب من يحبه قال :
بأبى من وددته فافترقنا * وقضى اللّه بعد ذاك اجتماعا
وتمنيته فلما التقينا * كان تسليمه علىّ وداعا
كأن الشاعر يريد تطويل أمد التسليم ومسافته كي يغذى ما عنده من الود ، وكأنه يريد أن يقول : أنا التقيت مع من أوده فاختفى في واختفيت فيه ، وهذا ناشىء من الامتزاج .
تفسير الشعراوي — صفحة 2114 | محمد متولي الشعراوي