تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2112

مساهمون:

ص٢١١٢
ما جاء المال عن ميراث ؛ فالذي وّرثك أيضا ما ورّثك إلا نتيجة كدّ وتعب ، وعرفنا أن الذي يتعب مدّة من الزمن تساوى عشر سنوات قد يرزقه اللّه ما يكفيه أن يعيش بعدها مرتاحا ، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه اللّه ما يكفيه أن يعيش ولده مرتاحا ، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحا . إذن فكل ما تراه من مال موروث كان نتيجة جدّ وكدّ ومشقة من الآباء ، وإذا ما قال الحق :
« أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ »
دلّ على أن مقابل البضع يكون من جهة الرجل . .
« أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ »
التي قال عنها سيدنا رسول اللّه : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) « 1 » . وما دام المال عزيزا على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجدّ وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل ، فإن هو حقق به خيرا عاجلا ثم سها وغفل عن شرّ آجل فهو لم يضع المال في موضعه .
« أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ »
و « محصنين » كما عرفنا لها معان متعددة . . « محصنين » أي متعففين أن تلغوا وتقعوا في أعراض الناس . بأموالكم ، أي ضع مالك الذي كسبته بكدّ فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل ، فلا تلغوا به في أعراض الناس ؛ لأنه من الممكن أن يبتغى إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن ، ونقول له : أنت حققت لذة ونفعا عاجلا ولكنك ذهلت عن شرّ آجل ، يقول فيها ربنا :
« مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ »
ومنه أخذ السفاح . فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضى معها وطرا . فكلمة « محصنين » تعنى التزام العفة ، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو : مسافحين ، من السفح وهو : الصب ، والصب هطول ونزول الماء بقوة ، فالماء قد ينزل نقطة نقطة ، إنما السفح صبّ ، ولذلك سمى سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوبا .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللّه بن مسعود .