وما دام قد جعل للفضل مجالا مع تسجيل الحقوق فلا تنسوا ذلك . فما بالنا بالميثاق الغليظ بين الرجل والمرأة . . وغلظ الميثاق إنما يتأتى بما يتطلبه الميثاق ، ولا يوجد ميثاق أغلظ مما أخذه اللّه من النبيين ومما بين الرجل والمرأة ؛ لأنه تعرض لمسألة لا تباح من الزوجة لغير زوجها ، ولا من الزوج لغير زوجته . إن على الرجل أن يوفى حق المرأة ولا يصح أن ينقصها شيئا إلا إذا تنازلت هي . فقد سبق أن قال الحق :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
( من الآية 4 سورة النساء )
وما دامت النفس قد طابت ، إذن فالرضا بين الطرفين موجود ، وذلك استطراق أنسى بين الرجل والمرأة . فالمهر حقها ، ولكن لا يجب أن يقبض بالفعل ، فهو في ذمة الزوج ، إن شاء أعطاه كله أو أخّره كله أو أعطى بعضه وأخر بعضه . ولكن حين تنفصل الزوجة بعد الدخول يكون لها الحق كاملا في مهرها ، إن كان قد أخره كله فالواجب أن تأخذه ، أو تأخذ الباقي لها إن كان قد دفع جزءا منه كمقدم صداق .
ولكن حين تنتقل ملكية المهر إلى الزوجة يفتح اللّه باب الرضا والتراضي بين الرجل والمرأة فقال :
« فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً »
فهو هبة تخرج عن تراض . وذلك مما يؤكد دوام العشرة والألفة والمودة والرحمة بين الزوجين . وبعد ذلك يبقى حكم آخر . هب أن الخلاف استعر بين الرجل والمرأة .
حالة تكره هي وتحب أن تخرج منه لا جناح أن تفتدى منه نفسها ببعض المال لأنها كارهة ، وما دامت هي كارهة ، فسيضطر هو إلى أن يبنى بزوجة جديدة ، إذن فلا مانع أن تختلع المرأة منه بشئ تعطيه للزوج :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
( من الآية 229 سورة البقرة )
والحق سبحانه وتعالى أراد أن يعطينا الدليل على أن حق المرأة يجب أن يحفظ لها ، ولذلك جاء بأسلوب تناول مسألة أخذ الزوج لبعض مهر الزوجة في أسلوب التعجب :
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
( 21 )
( الآية 21 سورة النساء )