تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2091

مساهمون:

ص٢٠٩١
وسبحانه يريد ألا يجعل العين من الولد تتطلع إلى المرأة التي تحت أبيه ، ربما راقته ، ربما أعجبته ، فإذا ما راقته وأعجبته فأقل أنواع التفكير أن يقول بينه وبين نفسه : بعدما يموت أبى أتزوجها ، فحين يوجد له الأمل في أنه بعد ما يموت والده يتزوجها ، ربما يفرح بموت أبيه ، هذا إن لم يكن يسعى في التخلص من أبيه ، وأنتم تعلمون سعار الغرائز حين تأتى ، فيريد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على الولد أمل الالتقاء ولو بالرجاء والتمني ، وأنه يجب عليه أن ينظر إلى الجارية أو الزوجة التي تحت أبيه نظرته إلى أمه ، حين ينظر إليها هذه النظرة تمتنع نزعات الشيطان . فيقول الحق :
« وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ »
والنكاح هنا يطلق فينصرف إلى الوطء والدخول ، وقد ينصرف إلى العقد ، إلا أن انصرافه إلى الوطء والدخول - أي العملية الجنسية - هو الشائع والأولى ، لأن اللّه حينما يقول :
« الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً »
معناها أنّه ينكح دون عقد وأن تتم العملية الجنسية دون زواج . والحق هنا يقول :
« وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ »
فما هو السلف هذا ؟ إن ما سلف كان موجودا ، أي جاء الإسلام فوجد ذلك الأمر متبعا ، وجاء الإسلام بتحريم مثل هذا الأمر . فالزمن الجديد بعد الإسلام لا يحل أن يحدث فيه ذلك وإن كان عقد النكاح قد حدث قبل الإسلام ، ولذلك قال - سبحانه - :
« إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ »
فجاء ب ( ما ) وهي راجعة للزمن . كأن الزمن الجديد لا يوجد فيه هذا . هب أن واحدا قد تزوج بامرأة أبيه ثم جاء الحكم . . أيقول سلف أن تزوّجتها قبل الحكم ! نقول : لا الزمن انتهى ، إذن فقوله :
« ما قَدْ سَلَفَ »
يعنى الزمن ، وما دام الزمن انتهى يكون الزمن الجديد ليس فيه شئ من مثل تلك الأمور . لذا جاءت ( ما ) ولو جاءت ( من ) بدل ( ما ) لكان الحكم أن ما نكحت قبل الإسلام تبقى معه ، لكنه قال ( إلا ما قد سلف ) فلا يصح في المستقبل أن يوجد منه شئ البتة ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائما من هذا الزواج . والحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه حين يشرّع فهو يشرع ما تقتضيه الفطرة
تفسير الشعراوي — صفحة 2091 | محمد متولي الشعراوي