إذن ففيه فرق بين الحق وما طاب لكم ، والأثر يحكى عن القاضي الذي قال لقومه : أنتم اخترتمونى لأحكم في النزاع القائم بينكم فماذا تريدون منى ؟ ! أأحكم بالعدل أم بما هو خير من العدل ؟ فقالوا له : وهل يوجد خير من العدل ؟ قال :
نعم ، الفضل . فالعدل : أن كل واحد يأخذ حقه ، والفضل : أن تتنازل عن حقك وهو يتنازل عن حقه ، وتنتهى المسألة ، إذن فالفضل أحسن من العدل ، والحق سبحانه وتعالى حين يشرع الحقوق يضع الضمانات ، ولكنه لا يمنع الفضل بين الناس :
فيقول - جل شأنه - :
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
( من الآية 237 سورة البقرة )
ويقول الحق في آية الدّين :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
( من الآية 282 سورة البقرة )
ويأمركم الحق أن توثقوا الدّين . . لأنكم لا تحمون مال الدائن فحسب بل تحمون المدين نفسه ، لأنه حين يعلم أن الدّين موثق عليه ومكتوب عليه فلن ينكره ، لكن لو لم يكن مكتوبا فقد تحدثه نفسه أن ينكره ، إذن فالحق يحمى الدائن والمدين من نفسه قال :
« وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ » ،
وقال بعدها :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
( من الآية 283 سورة البقرة )
فقد تقول لمن يستدين منك : لا داعى لكتابة إيصال وصكّ بيني وبينك ، وهذه أريحية لا يمنعها اللّه فمادام قد أمن بعضكم بعضا فليستح كل منكم وليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق اللّه ربه .