تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2092

مساهمون:

ص٢٠٩٢
السليمة . فلم يقل : إنكم إن فعلتم ذلك يكون فاحشة ، بل إنه برغم وجوده من قديم كان فاحشة وكان فعلا قبيحا
« إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا »
وما كان يصح بالفطرة أن تكون هذه المسألة على تلك الصورة ، إلا أنّ الناس عندما فسدت فطرتهم لجأوا إلى أن يتزوج الرجل امرأة أبيه ، ولذلك إذا استقرأت التاريخ القديم وجدت أن كل رجل تزوج من امرأة أبيه كان يسمّى عندهم نكاح « المقت » والولد الذي ينشأ يسمّونه « المقتى » أي المكروه . إذن فقوله : « إنه كان » أي قبل أن أحكم أنا هذا الحكم
« كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا » .
فاللّه يوضح : إنني أشرع لكم ما تقتضيه الفطرة . والفطرة قد تنطمس في بعض الأمور ، وقد لا تنطمس في البعض الآخر لأن بعض الأمور فاقعة وظاهرة والتحريم فيها يتم بالفطرة . مثال ذلك : أن واحدا ما تزوج أمه قبل ذلك ، أو تزوج ابنته ، أو تزوج أخته . إذن ففيه أشياء حتى في الجاهلية ما اجترأ أحد عليها . إذن جاء بالحكم الذي يحرم ما اجترأت عليه الجهلية وتجاوزت وتخطت فيه الفطرة ، فقال سبحانه :
« وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ »
أي مضى . لقد وصف سبحانه نجاح الأبناء لزوجات آبائهم بأنه « كان فاحشة » أي قبحا ، و « مقتا » أي مكروها ،
« وَساءَ سَبِيلًا »
أي في بناء الأسرة . ثم شرع الحق سبحانه وتعالى يبين لنا المحرمات وإن كانت الجاهلية قد اتفقت فيها ، إلا أن اللّه حين يشرع حكما كانت الجاهلية سائرة فيه لا يشرعه لأن الجاهلية فعلته ، لا . هو يشرعه لأن الفطرة تقتضيه ، وكون الجاهلية لم تفعله ، فهذا دليل على أنها فطرة لم تستطع الجاهلية أن تغيرها ، فقال الحق سبحانه وتعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 23 ]

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 23 )