تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
يجزع لأنه هو الذي جاء بالأمر المؤلم لنفسه ، وإما أن تكون مصيبة لا دخل له بها ، وحدثت له من غيره مثلا ، وعند ذلك عليه أن يبحث عن سببها : أعدلا أم ظلما ؟ إن كانت عدلا فهي قد جبرت الذنب ، وإن كانت ظلما فسوف يقتص اللّه له ممن ظلمه . وعلى هذا فالمؤمن في كلتا الحالتين رابح . إذن فالمؤمن يستقبل كل مصيبة متوقعا أن يأتي له منها خير . وعلى كل مؤمن أن يقيم نفسه تقييما حقيقيا ، « هل لي على اللّه حق ؟ أنا مملوك للّه وليس لي حق عنده ، فما يجريه على فهو يجريه في ملكه هو » . ومن لا يعجبه ذلك فليتأب على أي مصيبة ؛ ويقول لها : « لا تصيبينى » ، ولن تستطيع درء أي مصيبة - وما دمنا لا نستطيع أن نمنع وقوع المصائب والأحداث ، فلنقبلها - كمؤمنين - لأن الحق سبحانه وتعالى يريد بنسبتنا إليه أن يعزنا ويكرمنا . إنه يدعونا أن نقول :
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
. إننا بهذا القول ننسب ملكيتنا إلى اللّه ونقبل ما حدث لنا . ولا بد لنا هنا أن نأتى بمثال - وللّه المثل الأعلى - هل رأيت إنسانا يفسد ملكه ؟ أبدا . إن صاحب الملك يعمل كل ما يؤدى إلى الصلاح في ملكه ، وإن رأى الناس في ظاهر الأمر أنه فساد ، فما بالنا بالله سبحانه وتعالى ونحن ملك له ، وهو سبحانه لا يعرّض ملكه أبدا للضرر ، وإنما يقيمه على الحكمة والصلاح .
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
أي نحن مملوكون لله ، ونحن راجعون إليه ، وحتى إن كان في مصائب الدنيا ظلم لنا وقع علينا من إنسان ، فسوف نأخذ ثواب ما ظلمنا فيه عند الرجوع إلى اللّه ، إذن فنحن لله ابتداء بالملكية ، ونحن لله نهاية في المرجع ؛ وهو سبحانه ملك القوسين ؛ الابتداء والانتهاء ، ولذلك علمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند أي مصيبة تصيب الإنسان أن يسترجع ؛ أي أن يقول :
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
. وزادنا أيضا أن نقول : « اللهم اجرنى في مصيبتى واخلف لي خيرا منها » إنك إذا ما قلتها عند أي مصيبة تصيبك فلا بد أن تجد فيما يأتي بعدها خيرا منها ، وحتى إن نسي الإنسان أن يقول ذلك عند وقوع المصيبة ، ثم تذكرها وقالها فله جزاؤها ، كأنه قالها ساعة المصيبة .
تفسير الشعراوي — صفحة 664 | محمد متولي الشعراوي