تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
يأخذ الجسم غذاءه من العظم ، من أجل أن يستبقى الإنسان الحياة . والإنسان مكون من أجهزة متعددة ، وسيد هذه الأجهزة المخ ، وما دامت الحياة موجودة في خلايا المخ فإن كل شئ فيك جاهز للعمل ، لكن إذا ماتت هذه الخلايا ، انتهى كل شئ ، وذلك هو السبب في أن يقال : إن فلانا مات ثم أعطوه دواء معينا فعادت إليه الحياة . إنهم يتناسون الحقيقة العلمية المؤكدة ، وهي أن الحياة لا تغادر الإنسان إلا إذا توقف المخ عن العمل ، ولذلك فهناك إنسان قد يتوقف قلبه فيعالجه الأطباء بصدمة كهربية تعيد تشغيل القلب ، أو يشقون الصدر لتدليك القلب . لكن إذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت . فأجهزة الجسم كلها في خدمة ذلك السيد وهو المخ . ومن العجيب أنك تجد سيد الإنسان - وهو المخ - في قمته ، والحيوانات كذلك مخها في قمتها ، أما النبات فسيده في جذوره ، فالورق يذبل أولا ، ثم تحف الأغصان الرفيعة ، ثم الجذع ، ويجف الجذر في النهاية عندما لا يأتيه بعض الماء ، وعندما يأتي بعض الماء إلى الجذور في الوقت المناسب فهي تعود إلى الاخضرار ، وتنمو وتعود إليها الحياة ، وكذلك المخ في الإنسان ، فساعة ينهى الإنسان مخزونه من شحمه ومن لحمه ويتغذى على العظام ، فإنقاذه يأتي من إيصال الغذاء إلى المخ . ولذلك قالت المرأة العربية التي لم تكن تعرف التشريح : « نحن مرت علينا سنون ، سنة أذابت الشحم ، وسنة محقت اللحم ، وسنة محت العظم » . ويجب أن نفهم أن الجوع يحسّن لنا كل رزق في الحياة ؛ فإنك إن كنت جوعان صار كل طعام شهيا ، والذي يرغم الناس على إعداد ألوان مختلفة من الأطعمة ؛ إنما هو عدم الجوع ؛ فالإنسان يريد أن يشهّى لنفسه ليأكل ، لكنه لو كان جوعان لكفاه أي طعام ، ولذلك قالوا : « طعام الجائع هنىء وفراش المتعب وطئ » . فساعة يكون الإنسان متعبا فهو ينام على أرض خشنة ؛ ويستغرق في النوم ، وإن لم يكن الإنسان متعبا ، فهو يظل يتقلب في الفراش حتى ولو كان من الديباج . إذن فابتلاء الجوع هو أن تصبر على الضروري من الطعام الذي يقيم لك