تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1093

مساهمون:

ص١٠٩٣
أنت مثلا ترى « الزلط » الناعم الأملس ، تجده على مقدار واحد ؟ لا ، إن أشكاله مختلفة ، وهذا دليل على أن هناك مراحل للحجر الواحد منها ، ولو استمرت تلك الأحجار في بيئتها الطبيعية فلا شك أن هذه الكبيرة تتفتت يوما وتصير صغيرة ثم تكبر مرة أخرى ، لكن الإنسان حين يستخدم هذه الحجارة ليضعها على سبيل المثال بين القضبان التي تسير عليها القطارات فهذه الأحجار تكون قد خرجت من بيئتها . ومن حكمة اللّه أنه لا يوجد شئ تنتهى جدواه أبدا ، بل هو سبحانه يهيئ لكل شئ مهمة أخرى . إذن فكل كائن يكون على صفة تبقى له صلاحيته لمهمة ، وتكون له حياة مناسبة لتلك المهمة . نحن لا نأتى بهذا الكلام من عندنا ، ولكننا نأتى بهذا الكلام لأننا نقرأ القرآن بإمعان وتدبر ، ونقول : ماذا يقابل الحياة في القرآن ؟ إنه الهلاك بدليل أن اللّه قال :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
( من الآية 42 سورة الأنفال ) إذن فالحياة مقابلة للهلاك . و « الحىّ » غير هالك . والهالك لا يكون حيا ، ويقول تعالى في الآخرة :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( من الآية 88 سورة القصص ) ومعنى ذلك أن كل الأجناس من أعلاها إلى أدناها ، سواء الإنسان ، أو الملائكة ، أو الحيوان أو النبات ، كلها ستكون هالكة ، وما دام كل شئ سيهلك يوم القيامة فكأنه لم يكن هالكا قبل ذلك ، وله حياة مناسبة له . أليست الحجارة شيئا ، وستدخل في الهلاك يوم القيامة ؟ . إذن فهي قبل ذلك غير هالكة . لكننا نحن البشر لا نفطن إلى ذلك ونفهم الحياة فقط على أنها الحس والحركة الظاهرة . مع أن العلماء قد أثبتوا أنه حتى الذرة فيها دوران ، ولها حياة . وأنت عندما تنظر بالمجهر على ورقة من النبات ، وترى ما بها من خضر وخلايا ، وتشاهد العمليات التي تحدث بها ، وتقول : هذه حياة أرقى من حياتنا ، وأدق منها .