تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1090

مساهمون:

ص١٠٩٠
وإذا نظرت إلى الفرن فسوف تجد مراحل عدة من تسليم وتسلم للدقيق ، ثم إلى العجين ، وإلى النار التي توقد بالمازوت ، ويقوم بذلك عمال يحتاجون لمن يخطط لهم ، وقبل ذلك كان الدقيق مجرد حبوب ، وتم طحنها لتصير دقيقا ، وهناك مهندسون يديرون الماكينات التي تطحن ، ويعملون على صيانتها ، وبعد ذلك الأرض التي نبت فيها القمح وكيف تم حرثها ، وتهيئتها للزراعة ، وريها ، وتسميدها ، وزرعها ، وحصدها ، وكيف درس القشر والسنابل ، وكيف تتم تذريته من بعد ذلك ، لفصل الحبوب عن التبن ، وتعبئة الحبوب ، إلى غير ذلك ؟ انظر كم من الجهد أخذ رغيف الخبز الذي تأكله ، وكم من الطاقات وكم رجال للعمل ، فكيف تستسيغ لنفسك أن يصنعوه لك ، وأنت فقط جالس لتصلى وتصوم ؟ لا ، إياك أن تأخذ عمل غيرك دون جهد منك . مثال آخر ، أنت تلبس جلبابا ، كم أخذ هذا الجلباب من غزل ونسج وخيط ؟ إذن فلا تقعد ، وتنتفع بحركة المتحرك في الحياة ، وتقول : أنا مخلوق للعبادة فقط ، فليست هذه هي العبادة ، ولكن العبادة هي أن تطيع اللّه في كل ما أمر ، وأن تنتهى عن كل ما نهى في إطار قوله تعالى :
« هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها »
إن كل عمل يعتبر عبادة ، وإلا ستكون « تنبلا » في الوجود . والإيمان الحق يقتضى منك أن تنتفع بعملك ولا تعتمد على عمل غيرك . إن الحق سبحانه وتعالى قد استخلفنا في الأرض من أجل أن نعمرها . ومن حسن العبادة أن نتقن كل عمل وبذلك لا نقيم أركان الإسلام فقط ، ولكن نقيم الأركان والبنيان معا . ونكون قد أدينا مسؤولية الإيمان ، وطابق كل فعل من أفعالنا قولنا :
« لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » *
. ولقد عرفنا أن كلمة « اللّه » هي علم على واجب الوجود ، وهي الاسم الذي اختاره اللّه لنفسه وأعلمنا به ، وللّه أسماء كثيرة كما روى في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سأل اللّه بكل اسم هو له أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه - أي خصّه به - أو استأثر به في علم الغيب عنده ، فلا تظنن أن أسماء اللّه هي