تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1085

مساهمون:

ص١٠٨٥
إن الحق سبحانه ينبهنا أن ننفق من رزقه لنا من قبل أن يأتي اليوم الآخر الذي لا بيع فيه ؛ أي لا مجال فيه لاستبدال أثمان بسلع أو العكس ، وأيضا لا يكون في هذا اليوم « خلة » ، ومعنى « خلة » هي الود الخالص ، وهي العلاقة التي تقوم بين اثنين فيصير كل منهما موصولا بالآخر بالمحبة ؛ لأن كلّا منكما منفصل عن الآخر ، وإن ربطت بينكما العاطفة وفي الآخرة سيكون كل إنسان مشغولا بأمر نفسه . إن اليوم الآخر ليس فيه بيع ولا شراء ولا فيه خلة ولا شفاعة ، وهذه هي المنافذ التي يمكن للإنسان أن يستند عليها . فأنت لا تملك ثمنا تشترى به ، ولا يملك غيرك سلعة في الآخرة ، إذن فهذا الباب قد سد . وكذلك لا يوجد خلة أو شفاعة ، والشفاعة هذه مأذون فيها . إن كانت ممن أذن له اللّه أن يشفع فهي في يد اللّه ، ومعنى « شفيع » مأخوذة من الشفع والوتر . الوتر واحد والشفع اثنان ، فكأن الشفيع يضم صوته لصوتى لنقضى هذه الحاجة عند فلان . فيتشفع الإنسان بإنسان له جاه عند المشفوع عنده حتى ينفذ له ما يطلب . ولكن هذه الوسائل في الآخرة غير موجودة . فلا بيع ولا خلة ولا شفاعة ؛ فأنتم إذا أنفقتم اتقيتم ذلك اليوم ، فانتهزوا الفرصة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة . وهذه هي أبواب النجاة المظنونة عند البشر التي تغلق في هذا اليوم العظيم . وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول : أنا لم أفوت فرصة على خلقي ؛ خلقي هم الذين ظلموا أنفسهم ووقفوا أنفسهم هذا الموقف ، فأنا لم أظلمهم . لذلك يذيل الحق الآية بقوله :
« وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
. وبعد أن تكلم اللّه سبحانه وتعالى عن الرسل ، وعن الاختلاف ، وعن القتال لتثبيت منهج الحق ، وعن الإنفاق ، يوضح لنا التصور الإيمانى الصحيح الذي في ضوئه جاءت كل هذه المسائل . فقد جاء موكب الرسالات كلها من أجل هذا المنهج فقال سبحانه :