تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1082

مساهمون:

ص١٠٨٢

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) ونحن نعرف أن كل نداء من الحق يبدأ بقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
إنما يدل على أن ما يأتي من بعد هذا القول هو تكليف لمن آمن باللّه ، وليس تكليفا للناس على إطلاقهم ؛ لأن اللّه لا يكلف من كفر به ، إنما يكلف اللّه من آمن به ، ومن اجتاز ذلك وأصبح في اليقين الإيمانى فهو أهل لمخاطبة اللّه له ، فكأنه يجد في القول الرباني نداء يقول له : يا من آمن بي إلها حكيما قادرا مشرعا لك ، أنا أريد منك أن تفعل هذا الأمر . إذن الإيمان باللّه هو حيثية كل حكم ، فأنت تفعل ذلك لماذا ؟ لا تقل : لأن حكمته كذا وكذا . لا . ولكن قل : لأن اللّه الذي آمنت به أمرني بهذه الأفعال ، سواء فهمت الحكمة منها أو لم تفهمها ، بل ربما كان إقبالك على أمر أمرك اللّه به وأنت لا تفهم له حكمة أشد في الإيمان من تنفيذك لأمر تعرف حكمته . ولو أن إنسانا قال له الطبيب : إن الخمر التي تشربها تفسد كبدك وتعمل فيك كذا وكذا ، وبعد ذلك امتنع عن الخمر ، صحيح أن امتناعه عن الخمر صادف طاعة للّه ، لكن هل هو امتنع لأن اللّه قال ؟ لا ، لم يمتنع لأن اللّه قال ، ولكنه امتنع لأن الطبيب قال ، فإيمانه بالطبيب أكثر من إيمانه برب الطبيب . أما المؤمن فيقول : أنا لا أشرب الخمر ؛ لأن اللّه قد حرمها ، ولماذا أنتظر حتى يقول لي الطبيب : إن كبدك سيضيع بسبب الخمر ، فالرحمة هي ألا يجئ الداء . إن الحق يقول :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ »
أي أنا لا أطلب منكم