[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 168 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 )
إن من رحمة اللّه عز وجل على عباده أنه لم يقصر الخطاب على الذين آمنوا ؛ وإنما وسع الدائرة لتشمل المؤمنين وغيرهم ؛ فقال :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ »
فكأنه خلق ما في الأرض جميعا للناس جميعا ، وهذا ما قلنا عنه : إنه عطاء الربوبية لكل البشر ، من آمن منهم ومن لم يؤمن ، فهو سبحانه خلق كل الخلق ، مؤمنهم وكافرهم ، وما دام قد خلقهم واستدعاهم إلى الوجود فهو يوجه الخطاب لهم جميعا ؛ مؤمنهم وكافرهم ؛ وكأن الخطاب يقول للكافرين : حتى ولو لم تؤمنوا باللّه ، فخذوا من المؤمنين الأشياء الحلال واستعملوها لأنها تفيدكم في دنياكم ؛ وإن لم تؤمنوا باللّه ، لأن من مصلحتكم أن تأكلوا الحلال الطيب ، فاللّه لم يحرم إلا كل ضار ، ولم يحلل إلا كل طيب .
هنا موقف يقفه كثير من الذين أسرفوا على أنفسهم ، ويحبون أن تكون قضية الدين وقضية التحريم وقضية التحليل ، قضايا كاذبة ؛ لأنه لا ينجيهم أمام أنفسهم إلا أن يجدوا أشياء يكذبون بها الدين ، لأنهم لم يستطيعوا أن يحملوا أنفسهم على مطلوبات اللّه ، فلما لم يستطيعوا ذلك لم يجدوا منفذا لهم إلا أن يقولوا : إن قضايا الدين كاذبة بما فيها التحليل والتحريم . إنهم يقولون : ما دام اللّه قد حرم شيئا ؛ فلماذا خلقه في الكون ؟ .
كأنهم يعتقدون أن كل مخلوق في الأرض قد خلق ليؤكل ، وما علموا أن لكل مخلوق في الأرض مهمة ، فهم الآن يمسكون الحيات والثعابين ليستخلصوا منها السموم ؛ حتى يقتلوا بها الميكروبات التي تقتل الإنسان ، وكانوا قبل اكتشاف فائدة السم في الثعبان يتساءلون « وما فائدة خلق مثل هذه الثعابين ؟ » . فلما أحوجهم اللّه وألجأهم إلى أن يستفيدوا بما في الثعابين من سم ؛ ليجعلوه علاجا أدركوا