وقوله :
« حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ »
معناه لا تضيعوها . ويحتمل أيضا معنى آخر هو أنكم قد ذقتم حلاوة الصلاة في القرب من معية ربكم ، وذلك أجدر وأولى أن تتمسكوا بها أكثر ، وذلك القول يسرى على الصلوات الخمس التي نعرفها .
قوله تعالى :
« وَالصَّلاةِ الْوُسْطى »
ذكر للخاص بعد العام ، فكأن اللّه أمر بالمحافظة على ذلك الخاص مرتين ، مرة في دائرة العموم ومرة أخرى أفردها اللّه بالخصوص . وما العلة هنا في تفرد الصلاة الوسطى بالخصوص ؟ إن « وسطى » هي تأنيث « أوسط » ، والأوسط والوسطى هي الأمر بين شيئين على الاعتدال ، أي أن الطرفين متساويان ، ولا يكون الطرفان متساويين في العدد - وهي الصلوات الخمس - إلا إذا كانت الصلوات وترا ؛ أي مفردة ؛ لأنها لو كانت زوجية لما عرفنا الوسطى فيها ، وما دام المقصود هو وسط الخمس ، فهي الصلاة الثالثة التي يسبقها صلاتان ويعقبها صلاتان ، هذا إن لاحظت العدد ، باعتبار ترتيب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس .
وإذا كان الاعتبار بفرضية الصلاة فإن أول صلاة فرضها اللّه عز وجل هي صلاة الظهر ، هذا أول فرض ، وبعده العصر ، فالمغرب ، فالعشاء ، فالفجر . فإن أخذت الوسطى بالتشريع فهي صلاة المغرب وهذا رأى يقول به كثير من العلماء .
وإن أخذت الوسطى بحسب عدد ركعات الصلاة فستجد أن هناك صلاة قوامها ركعتان هي صلاة الفجر وصلاة من أربع ركعات هي صلاة الظهر والعصر والعشاء ، وصلاة من ثلاث ركعات هي صلاة المغرب . والوسط فيها هي الصلاة الثلاثية ، وهي وسط بين الزوجية والرباعية فتكون هي صلاة المغرب أيضا . وإن أخذتها بالنسبة للنهار فالصبح أول النهار والظهر بعده ثم العصر والمغرب والعشاء ، فالوسطى هي العصر .
وإن أخذتها على أنها الوسط بين الجهرية والسرية فيحتمل أن تكون هي صلاة الصبح أو صلاة المغرب ؛ لأن الصلوات السرية هي الظهر والعصر ، والجهرية هي المغرب والعشاء والفجر . وبين العشاء والظهر تأتى صلاة الصبح ، أو صلاة المغرب باعتبار أنها تأتى بين الظهر والعصر من ناحية ، والعشاء والصبح من ناحية أخرى .