تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 974

مساهمون:

ص٩٧٤
والحديث يقول : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ) « 1 » وهكذا يحمى اللّه سبحانه وتعالى فعل البر ويحمى التقوى ويحمى عمليات الإصلاح بين الناس ، ولو كنت قد حلفت باللّه ألا تفعلها ، لماذا ؟ لأنك عندما تحلف باللّه ألا تفعل ، وتجعل اللّه سبحانه وتعالى هو المانع ، فقد ناقضت التشريع نفسه ؛ لأن اللّه هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى ، فلا تجعل يمين البشر مانعا من تنفيذ منهج رب البشر .
« وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ »
إن حلفت على ترك واجب وجب أن ترجع في اليمين . احنث فيه وكفر عنه ، والحكم نفسه يسرى على الذي يمنع ممتلكاته كالدابة أو الماكينة أو السيارة من انتفاع الناس بها بحجة أنه حلف ألا يعيرها لأحد ، وذلك أمر يحدث كثيرا في الأرياف . ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم :
« وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. إنه سبحانه سميع باليمين الذي حلفته ، وعليم بنيتك إن كانت خيرا أو شرا فلا تتخذ اليمين حجة لأن تمنع البر والتقوى والإصلاح . والحق سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن اليمين يعطينا أصلا من أصول اعتبار اليمين هل هو يمين حقا أو لغو ، ومن رحمة اللّه أنه سبحانه وتعالى لم يأخذ إلا باليمين الذي عقد القلب عليه ، أي الذي يقصد صاحبه ألا يحنث فيه ، أما لغو اليمين فقد تجاوز اللّه عنه . مثلا ، الأيمان الدارجة على ألسنة الناس كقولهم : « واللّه لو لم تفعل كذا لفعلت معك كذا » ، « واللّه سأزورك » ، « واللّه ما كان قصدي » أو الحلف بناء على الظن ؛ كأن تحلف بقولك : « واللّه حدث هذا » وأنت غير متأكد من تمام حدوثه ، لكن ليس في مقصدك الكذب . أما اليمين الغموس فهي الحلف والقسم الذي تعرف كذبه وتحلف بعكس ما تعرف ، كأن تكون قد شاهدت واحدا يسرق أو يقتل وتحلف باللّه أنه لم يسرق أو لم يقتل . من أجل ذلك كله يحسم اللّه سبحانه وتعالى هذه القضية بقوله :
هامش
( 1 ) هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم والترمذي والإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة .