ولو أن غير عائشة حدث لها ما حدث لعائشة لكان موقف أبى بكر هو موقفه عندما جاء قريبه مسطح بن أثاثة واشترك في حديث الإفك مع من اشتركوا ثم يبرئ اللّه عائشة وينزل القول الذي يثبت براءة أم المؤمنين في حديث الإفك ، وحين يبرئها اللّه يأتي أبو بكر وكان ينفق على مسطح فيقطع عنه النفقة ويقول : « واللّه لا أنفق عليه أبدا » لماذا ؟ لأنه اشترك في حديث الإفك . والمسألة في ظاهرها ورع .
لذلك سيمتنع عن النفقة على مسطح بن أثاثة لأن مسطحا خاض في الإفك . لكن انظر إلى مقاييس الكمال والجمال والفضائل عند اللّه فقد أوضح الحق أن هذا طريق ، وذاك طريق آخر ، فيقول سبحانه وتعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 22 )
( سورة النور )
فإذا كنت تحب أن يغفر اللّه لك ، أفلا تغفر لمن فعل معك سيئة ؟ . وما دمت تريد أن يغفر اللّه لك فاغفر للناس خطأهم . قالها الحق عز وجل لأبى بكر ؛ لأنه وقف موقفا من رجل خاض في الإفك مع من خاض ومع ذلك يبلغه أن ذلك لا يصح .
قوله تعالى :
« وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا »
لا تقل : إني حلفت باللّه على ألا أفعل ذلك الخير ، لا . افعله فاللّه يرضى لك أن تحنث وتكفر عن يمينك .
« وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. إن اللّه عز وجل يبلغنا : أنا لا أريد أن تجعلوا الحلف بي عرضة ، يعنى حاجزا أو مانعا عن فعل الخير . مثلا لو طلب منك أن تبر شخصا أساء إليك فلا تقل : حلفت ألا أبرّ به لأنه لا يستحق ، عندها تكون قد جعلت اليمين باللّه مانعا للبر . وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك : لا ، أنا متجاوز عن اليمين بي ؛ إن حلفت ألا تبر أو لا تتقى أو لا تصل رحما أو لا تصلح بين اثنين ، أنا تسامحت في اليمين .